هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

في الماضي، كان من غير المألوف أن تتجوّل امرأة في براري تنزانيا أو تقود جولة سفاري. ففي بلدٍ لطالما ثُبطت فيه النساء عن العمل في مجالات يهيمن عليها الرجال، كانت وظيفة كهذه تبدو حلماً بعيد المنال. بالنسبة لأغابي مريما، البالغة من العمر 24 عاماً، كان من المرجّح أن تقضي أيامها في الأعمال المنزلية أو في وظيفة متدنية الأجر لا تحبها.


أما اليوم، تبدو حياتها مختلفة تماماً.


ترتدي زيّاً صحراوياً بلون الكاكي، وتبدأ يومها بتفقد سيارتها "تويوتا لاند كروزر" ذات الدفع الرباعي، المعروفة باسم "جيب السفاري"، قبل أن تنطلق في رحلة جديدة عبر براري تنزانيا.


تعكس قصتها تحولاً أوسع نطاقاً تشهده جميع أنحاء البلاد. إذ تتزايد أعداد النساء اللواتي يدخلن مجالات كانت تُعدّ سابقاً محظورة عليهن، في قطاع لطالما هيمن عليه الرجال، وخصوصاً مهنة الإرشاد السياحي.


تقول: "لم يعد هناك شيء لا تستطيع المرأة القيام به، كما كان يُقال لنا في السابق."


تجلس أغابي مريما في سيارة سفاري في تنزانيا، وهي جزء من عدد متزايد من النساء اللواتي يدخلن مجال الإرشاد السياحي في رحلات السفاري. (حقوق الصورة: أغابي مريما)


العمل كمرشدة سياحية في المتنزهات الوطنية بتنزانيا يتطلب صلابة ومهارة ورباطة جأش. فمن التعامل مع المواجهات غير المتوقعة مع الحيوانات البرية إلى إصلاح أعطال المركبات في المناطق النائية، لا يترك هذا العمل مجالاً للخطأ. وأغابي قادرة على مواجهة هذه التحديات، لكن طريقها لم يخلُ من العقبات.


في البداية، عارض والداها طموحاتها واعتبراها غير مناسبة. وتتذكر قائلة: "كان والداي يريدان مني دراسة الصيدلة، لكن هذا لم يكن ما أريده إطلاقاً." وتعكس تجربتها نمطاً أوسع في المجتمع التنزاني؛ إذ أظهرت دراسة أُجريت عام 2018 أن للوالدين دوراً كبيراً في توجيه اختيارات أبنائهم التعليمية والمهنية، وغالباً ما يدفع الآباء أبناءهم نحو المهن التقليدية الأكثر شيوعاً.


قطاع يتغيّر


وُلدت أغابي في مدينة أروشا، البوابة إلى وجهات شهيرة مثل سيرينغيتي وجبل كليمنجارو، وهناك بدأت علاقتها المبكرة بالطبيعة البرية. واستلهمت لاحقاً من رائدات مثل أغاثا برنارد منديمي، المرشدة السياحية ومؤسسة شركة "وومن كينغ أدفنتشرز"، وهي شركة سفاري تديرها نساء بالكامل.


وقد سلكت أغاثا طريقاً مشابهاً، شكّلته المقاومة والإصرار معاً. وفي مقابلة مع «بي بي سي سواحيلية»، قالت إن مصدر إلهامها جاء من مكان غير متوقع: كتاب تنزاني بعنوان «حواء سائقة الحافلة»، يتحدث عن امرأة اشتهرت بمهاراتها في القيادة داخل مجتمع ترتبط فيه هذه المهنة عادة بالرجال.


واليوم، تشارك أغاثا أيضاً في تدريب النساء الراغبات بدخول المجال وتوجيههن. وتقول: "رؤية المزيد من النساء يدخلن قطاع السياحة تملؤني بالفخر والسعادة. فهذا يكسر التوقعات القديمة ويثبت أن النساء قادرات على التفوق في الأدوار التي تتطلب قيادة وصموداً وخبرة."


أغابي مريما (يسار) مع أجاثا برنارد منديم (يمين)، مؤسسة شركة سفاري للنساء فقط في أروشا. (حقوق الصورة: أغابي مريما)


وهذا الشعور بالإمكانات هو ما تحرص أغابي الآن على نقله لغيرها. فهي ترشد الفتيات الطامحات للعمل في المجال وتشجع المزيد من النساء على خوض التجربة. وتقول: "أريد أن أُظهر للنساء أن بإمكانهن تجاوز الحواجز والاستمتاع بجمال بلدنا في الوقت نفسه. إذا كنتُ أنا قادرة على فعل ذلك في سني هذا، فلا ينبغي لأي امرأة أن تشعر بالعجز." ومنذ ذلك الحين، تغيّر موقف والديها. تقول: "إنهما فخوران بي جداً الآن، وسعيدان لأنني أفعل ما أحب. لقد كانت خمس سنوات جميلة بالنسبة لي في هذه المهنة." ومنذ دخولها هذا المجال عام 2020، اعتادت على سؤال يتكرر باستمرار: لماذا تعملين في مهنة ما زال كثيرون يرونها حكراً على الرجال؟ أما إجابتها فتبقى بسيطة: "أنا أعشق ما أفعله."


لا يوجد شيء اسمه "مستحيل"


تندرج قصة أغابي ضمن تحوّل أوسع يشهده قطاع السياحة في تنزانيا. فالبلاد تزخر بمعالم طبيعية ذات شهرة عالمية، بدءاً من الهجرة السنوية لحيوانات النو في سيرينغيتي، مروراً بقمة كليمنجارو وصولاً إلى شواطئ زنجبار. كما أنها موطن لمجتمعات أصلية مثل الماساي والهادزا.


ولا تزال السياحة تشكّل ركيزة أساسية للاقتصاد، إذ ساهمت بنسبة 17.2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024، وحققت إيرادات بلغت 3.5 مليار دولار أمريكي، إضافة إلى توفيرها أكثر من 1.5 مليون فرصة عمل. ومع ذلك، ما تزال هناك عوائق هيكلية قائمة.


وتُظهر بيانات اليونسكو أن نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة بين النساء في تنزانيا تبلغ 78.7%، مقارنة بـ85.5% لدى الرجال. هذا الفارق، إلى جانب التحيز القائم على النوع الاجتماعي والقيود المالية، ما يزال يؤثر في فرص النساء في التعليم والعمل.


أما ليفينا فيكتور، فقد لاحظت هذا الخلل منذ وقت مبكر. وهي اليوم، في سن السابعة والثلاثين، مؤسسة شركة «وومن أدفنتشر أفريقيا»، بعدما أدركت قلة الفرص المتاحة للنساء في مجال الإرشاد السياحي. وتقول: "لم تكن النساء يحصلن على هذه الوظائف بسهولة كما هو الحال مع الرجال".


تقود ليفينا فيكتور شركة سياحية موجهة للنساء، تدعم تدريب وتوظيف المرشدات السياحيات في رحلات السفاري. (مصدر الصورة: Women Adventure Africa)


ومنذ ذلك الحين، وفّرت شركتها فرصاً عديدة، إذ توظف أكثر من 15 امرأة بشكل مباشر، وتدعم أخريات من خلال التدريب.


وبحسب تقرير التحديث الاقتصادي لتنزانيا الصادر عن البنك الدولي عام 2021، تشكّل النساء 72% من القوى العاملة في قطاع السياحة في البلاد. لكن معظمهن يتركزن في وظائف منخفضة الأجر مثل التدبير الفندقي والعمل كنادلات، وهو جزء من نمط أوسع لما يُعرف بـ"الوظائف ذات الغالبية النسائية" التي غالباً ما تُقلَّل قيمتها وتحدّ من فرص التقدّم المهني على المدى الطويل، كما أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.


ومع ازدياد عدد النساء اللاتي يشغلن أدواراً بارزة، بدأت النظرة تتغير لدى السكان المحليين والزوار على حد سواء. تقول ليفينا: "بالنسبة للعديد من السياح، تُعد الإقامة في شركة مملوكة لامرأة، والتجول في المتنزهات برفقة مرشدات، تجربة جديدة. في البداية، يشعرون بالدهشة، لكنهم دائماً ما يُعجبون بذلك."


ويظهر هذا التحول أيضاً داخل القطاع نفسه. ويقول ألي سولوسي، وهو مرشد سياحي: "الطلب على المرشدات في ازدياد. فالعائلات التي تسافر معاً أصبحت أكثر ميلاً لاختيار مرشدات". ويضيف: "إنهم يرون أن النساء أكثر اهتماماً بالتفاصيل وأفضل في خدمة العملاء."


يقود المرشد السياحي علي سولوسي جولات في المتنزهات الوطنية في تنزانيا، حيث تتغير النظرة السائدة تجاه دور المرأة في الإرشاد السياحي تدريجيًا. (حقوق الصورة: علي سولوسي)


أما إلياكيني نجاو، فقد تشكّلت تجربتها المهنية من خلال الإصرار. فهي مرشدة جبلية مخضرمة صعدت إلى قمة كليمنجارو أكثر من مئة مرة، وتشجع المزيد من النساء على دخول المجال.


وتقول: "من المهم أن تكون المرأة قوية ومتحمسة للعمل الذي تريده، وألا تسمح لأحد بإقناعها بأنها غير قادرة على القيام به. لا وجود لكلمة "مستحيل"، إلا إذا لم تؤمن المرأة بنفسها."


وتعكس مسيرتها التحديات التي تواجهها كثير من النساء. فبعد وفاة والدها عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها، وفي ظل غياب حقوق الميراث للنساء في مجتمعها، تعرضت لضغوط للزواج المبكر. لكن بدعم من والدتها، واصلت تعليمها، ثم تلقت تدريباً في إدارة العمليات السياحية، وبدأت العمل كحمّالة على جبل كليمنجارو في سن التاسعة عشرة.


يمثل مسار إلياكيني نجاو المهني طريقًا لا تزال العديد من النساء في هذا المجال يسعين للوصول إليه. (حقوق الصورة: إلياكيني نجاو)


ما الذي لا يزال يعيق تقدمها؟


تشير التقديرات المتاحة حتى عام 2022 إلى أن النساء يشكلن أقل من 1% من المرشدات السياحيات المسجلات في كليمنجارو. وتتمثل العوائق في جوانب ثقافية وعملية معاً. فكثير من أصحاب العمل يفترضون أن النساء غير قادرات على تحمل المتطلبات البدنية للمهنة، كما أن فترات الغياب الطويلة عن المنزل قد تتعارض مع التوقعات الاجتماعية المتعلقة بالأدوار المنزلية. كذلك، ما تزال تصورات العملاء تؤثر في قرارات التوظيف.


وتعمل منظمات مثل "جمعية النساء في السياحة بتنزانيا" (AWOTTA) على مواجهة هذه التحديات، من خلال تحسين فرص الوصول إلى العمل، والدعوة إلى توفير حماية أقوى للأمومة، واعتماد ممارسات توظيف أكثر مساواة. وتقول ماري كاليكاوي، رئيسة الجمعية: "إن الأعراف الثقافية التي تعيق النساء يجب أن تخضع للمساءلة وأن تتغير".


ولا تقتصر هذه التحديات على تنزانيا وحدها. فعلى مستوى العالم، تشكل النساء 54% من القوى العاملة في قطاع السياحة، إلا أن كثيرات منهن ما زلن يشغلن وظائف منخفضة الأجر. وفي أفريقيا، تمثل النساء نحو 70% من العاملين في القطاع، لكن العوائق البنيوية ما تزال تحدّ من تقدمهن.


وعلى امتداد السهول التنزانية، تواصل أغابي عملها بثقة، مؤمنة بمستقبل أكثر إشراقاً للنساء في هذا المجال. وتقول: "لم يعد علينا أن نطلب مساحة لأنفسنا، بل يجب أن ننتزعها ونرسم طرقنا بأيدينا."


مويها مْسيمو

مويها مْسيمو هو صحفي مستقل تنزاني يروي قصصًا غالبًا ما تمرّ دون أن يلاحظها أحد. لديه شغف بإبراز حياة المجتمعات المهمّشة، من خلال مشاركة معاناتهم وانتصاراتهم وصمودهم اليومي.