منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، تحولت التكايا والمطابخ الجماعية وغرف الطوارئ وشبكات المساعدة الأهلية وآلية الدرا وغيرها، إلى وسائل أساسية للبقاء في مناطق واسعة من السودان ولاسيما في إقليمي دارفور وكردفان. ومع تعطّل الأسواق والخدمات ونزوح الملايين، أصبح الحصول على وجبة طعام أو جرعة دواء أو قطرة ما أو مكان للإقامة مرتبطًا، في كثير من الأحيان، بقدرة الناس على تنظيم أنفسهم ومساعدة بعضهم بعضاً.
لكن هذه التجربة لا تختصرها قصة مجتمع يتضامن في مواجهة الحرب فحسب. فإلى جانب المبادرات التي أنقذت حياة الناس، تظهر أسئلة أكثر تعقيداً: من يحصل على المساعدة، ومن يبقى خارجها؟ من يقرر كيفية توزيع الموارد؟ وماذا يحدث عندما تتحول مبادرة تطوعية صغيرة إلى مؤسسة تدير تبرعات وموارد يحتاج إليها مئات الأشخاص؟ و ومن يتحمل الكلفة اليومية لاستمرارها؟

تمثل التكية شريان حياة للمجتمعات المتضررة من الحرب إذ توفر الغذاء للفئات الأكثر احتياجاً. المصدر: AFP
التكية: حين يصبح الطعام مسألة عدالة
تُعدّ التكايا والمطابخ الجماعية من أبرز صور الإستجابة الشعبية للحرب. وقد اتسع دورها مع تعطل الأسواق، وارتفاع أسعار الغذاء، ونزوح ملايين الأسر، وفقدان كثيرين مصادر دخلهم. ولم تعدّ التكية والمطابخ الجماعية مجرد مبادرة لتقديم وجبة عابرة؛ ففي بعض المناطق التي عانت كثيراً من اشتداد وطأة الحرب مثل الفاشر والخرطوم والأبيض ونيالا، أصبحت مصدراً أساسياً للطعام، وفضاءً يجتمع فيه المتطوعون والمستفيدون، وتُنسّق من خلاله المساعدات وتُحدَّد الأولويات.
لكن في الواقع، تستند هذه الممارسات إلى تاريخ أوسع من التعاون الأهلي في السودان، بما يشمل النفير والفزع والتكافل بين الجيران، إلى جانب المبادرات التطوعية والجمعيات المجتمعية. وقد أعادت الحرب توظيف هذه الخبرات في ظروف مختلفة، إذ لم تعدّ تقديم المساعدة مهما كان شكلها، مقتصرة على مناسبة اجتماعية أو ظرف طارئ قصير، إنما أصبحت لدى الملايين في اقليمي دارفور وكردفان، جزءاً من تدبير الحياة اليومية.
وفي مقابلة أجراها كاتب المقالة، في سبتمبر 2026، يربط الباحث والمهتم بالعمل الإنساني عبدالله محمد أحمد قريضة، هذه الممارسات بذاكرة اجتماعية تراكمت عبر أشكال متعددة من التعاون الأهلي، منها النفير والتكايا والجمعيات التعاونية وجمعيات النساء. ويرى أن الحرب أعادت تنشيط هذه الخبرات حين تراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على تلبية الاحتياجات الأساسية.
وتوضح تقارير عن المطابخ الجماعية في الخرطوم كيف تجاوز دورها توفير الطعام إلى تقديم دعم اجتماعي، وخلق مساحات للتواصل والعمل الجماعي، وفي بعض الحالات إتاحة أنشطة تعليمية وتعاونية. لكنها توثق، في الوقت نفسه، مشكلات التمويل المتقطع، وارتفاع تكاليف الغذاء، وانعدام الأمن، وصعوبة استمرار تقديم الوجبات بانتظام. هنا تكتسب التكية معناها الأوسع. فهي تعيد توزيع مورد أساسي، هو الطعام، خارج القدرة الشرائية وحدها. لكن هذا لا يعني أن توزيع المساعدة يصبح عادلاً تلقائياً.

متطوعون يعملون في أحد المطابخ المجتمعية في منطقة جنوب الحزام، الخرطوم. المصدر: صحيفة مداميك
فقد ظهرت في أغلب المبادرات ولاسيما في اقليم دارفور الذي بات يعاني من صعوبة تدخل المعونة الانسانية سواء من الوكالات الأممية أو المنظمات الدولية، أسئلة عملية وأخلاقية على شاكلة؛ حين تكون الموارد أقل من الاحتياجات؛ من يحصل على الوجبة؟ كيف تُحدَّد الأولوية؟ هل تُعطى الأفضلية للأشد حاجة، أم للأسر المعروفة لدى المتطوعين، أم لمن يسهل الوصول إليهم؟ وكيف يمكن مراجعة القرارات من دون تعريض المستفيدين أو العاملين للخطر؟
وقد كشفت هذه الأسئلة بالفعل، وجود مستوى ما من أشكال المحاباة أو التمييز في أعمال التكايا، وهو ما تكشف عن ضرورة وجود قواعد واضحة تتناسب مع ظروف كل منطقة، وآليات مناسبة لتلقي الشكاوى وتصحيح الأخطاء، وتعزيز فاعلية عمل اللجان والمبادرات، وشفافية في عرض الموارد المتاحة وحدودها. ففي بيئة تتسم بالخطر وشح الغذاء، لا تعني العدالة أن تستطيع تكية ما تلبية احتياجات الجميع، إنما أن تكون أولوياتها مفهومة، وأن تُتخذ قراراتها على أسس يمكن مساءلتها وتكون عادلة في نظر الجميع، وإلا تكون موضع شك في ممارسة فساد وسوء إدارة.
غرف الطوارئ: من الاستجابة المحلية إلى تحديات التنسيق
لم تعمل التكايا بمعزل عن بقية أشكال التنظيم الشعبي. فقد أصبحت غرف الطوارئ في مناطق القتال في البلاد جزءاً مهماً من الاستجابة المحلية، مستفيدة من شبكات الأحياء والخبرات التنظيمية التي تراكمت قبل الحرب، بما في ذلك خبرات لجان المقاومة ولجان التغيير والخدمات والمبادرات المناطقية. وتنوّعت أنشطتها بين المطابخ الجماعية، والمساعدات الصحية، وتوفير المياه، والإجلاء، وتنسيق المساعدات بحسب الاحتياجات المحلية.
وتكمن إحدى نقاط قوة هذه المبادرات في معرفتها المباشرة بالأحياء والمجتمعات التي تعمل فيها. فهي أقرب إلى الأسر، وأقدر أحياناً على رصد الاحتياجات التي لا تصل إليها المنظمات الإنسانية بسهولة. لكن اتساع الاستجابة وازدياد احتياجات السكان أوجدا حاجة إلى تنسيق فعّال بين المبادرات المحلية، وإلى قنوات للتواصل مع المنظمات السودانية والدولية، وإلى آليات لإدارة التمويل وتحديد الأولويات، وإلا الوقوع في فجوات تنظيمية ومالية وأخلاقية سوف يكون الحقيقة المتوقعة.
ولهذا ظهرت هياكل تنسيق على مستويات مختلفة، من بينها مجالس التنسيق المحلية، المعروف اختصاراً بـ" LCC"، الذي يعرّف نفسه بوصفه آلية لربط المبادرات القاعدية بالجهود الإنسانية، وتنسيق الاستجابة وتبادل الموارد. وتؤكد المبادئ المعلنة للمجلس المشاركة والشفافية والإفصاح والمساءلة، إلى جانب التوزيع العادل للموارد. لكن الذي حدث، هو أن وجود هيكل للتنسيق لم يؤد بالضرورة إلى أن جميع المشاركين يمتلكون التأثير نفسه في قراراته.
فقد تكشّف نقاشاتٍ مثيرة طرحت أسئلة عن تمثيل الولايات داخل هياكل التنسيق، وعن كيفية اختيار من يتحدث باسم غرف الطوارئ، وعن مدى انعكاس أولويات المناطق المختلفة في النقاشات المتعلقة بالتمويل وتحديد الاحتياجات. وهي أسئلة تتصل بطبيعة العمل الأهلي حين ينتقل من المبادرات المحلية إلى هياكل أوسع تتعامل مع الجهات المانحة والشركاء الإنسانيين على المستويين الاقليمي والدولي.

إحدى غرف الاستجابة للطوارئ العديدة التي تقدم العون للمحتاجين. المصدر: MutualAidSudan.org
فك الارتباط بين غرف الطوارئ ومجالس التنسيق: ماذا تكشف الواقعة؟
في مايو الماضي، برزت واقعة فك الارتباط بين غرف الطوارئ ومجالس التنسيق الولائية، وهي واقعة تستحق التوقف عندها، لا باعتبارها دليلاً قاطعاً على فشل التضامن الأهلي، إنما بوصفها مدخلاً لفهم التوترات التي قد تظهر عندما تتعدد مستويات التنسيق وتتباين تصورات المشاركين بشأن التمثيل وإدارة الموارد. وبالفعل جاء هذا الحدث، كنتيجة تلقائية للأسئلة التي كشفتها الممارسة اليومية ولم تجاوب بوضوح كافٍ، فتكثّف التوتر حول استقلال المبادرات المحلية ومتطلبات الشراكات والتمويل والمساءلة. حيث: من يملك تفويض التحدث باسم المبادرات المحلية؟ كيف تُتخذ القرارات المشتركة؟ ما حدود سلطة مجلس التنسيق على المبادرات التي يعمل باسمها أو يتعاون معها؟ وكيف تُوزع الموارد بين مناطق تختلف في حجم السكان والنزوح وشدة الاحتياج؟.
وهذه الاسئلة ليست إدارية وحدها. فقرارات التنسيق قد أثرت بشكلٍ مباشر في مدى وصول الغذاء والدواء والتمويل إلى المجتمعات المتضررة، وعليه كنتيجة، شعر بعض المشاركين بأن أولويات مناطقهم لا تجد تمثيلاً كافياً، وأن القرارات تُتخذ من دون مشاركة فعالة منهم، وبالتالي تدريجياً، فقد تراجع مستوى الثقة في آليات التنسيق وتم كيل اتهامات بوجود فساد ومحاباة وسوء إدارة، حتى عندما كان الجميع متفقاً على ضرورة استمرار المساعدة الإنسانية.
من يحصل على المساعدة؟
تُعدّ شبكات القرابة والجيرة والثقة من أهم الموارد التي اعتمد عليها السودانيون في أوقات الشدة خلال هذه الحرب. فكثيراً ما أستقبل قريبٌ أسرة نازحة من مناطق القتال، أو حوّل أحد أفراد العائلة المقيمين في الخارج المال للمساعدة في الماء والغذاء والدواء، أو وفّر جارٌ الماء والمأوى حين تتعذر الخدمات. ففي ظل ظروف انهيار الخدمات العمومية وجهاز الدولة نتيجة للحرب، فقد أحدثت هذه الروابط فرقاً حاسماً بين القدرة على البقاء وانعدام الخيارات.
لكن الشبكات نفسها لم تتاح للجميع بالقدر ذاته. فالأسرة التي تملك أقارب في منطقة آمنة أو في الخارج قد تحصل على دعم لا يتوفر لأسرة فقدت مواردها ومنزلها وشبكاتها الاجتماعية. وقد وجد النازحون الذين لا يعرفون أحداً في المنطقة التي وصلوا إليها صعوبة في الوصول إلى المعلومات أو الخدمات، حتى عندما تكون هناك مبادرات إنسانية تعمل بالقرب منهم.
وقد أشار ثلاثة متطوعون كانوا يخدمون في غرف الطوارئ والتكايا في الفاشر سابقاً، إلى كاتب المقالة، وفضلوا عدم كشف هوياتهم، إلى مخاوف بشأن ارتباط الوصول إلى بعض خدمات المساعدة في مناطق عديدة من شمال دارفور ولاسيما في مدينة الفاشر، بشبكات القرابة والصداقة والمعارف، أكثر من الحاجة الموضوعية بغض النظر عن الانتماءات القرابية والاثنية والجهوية.
من يدفع ثمن التضامن؟
لا يمكن فهم استمرار التكايا والمبادرات الشعبية من دون النظر إلى العمل الذي يجعلها ممكنة. فإعداد الطعام يحتاج إلى شراء المكونات ونقلها، وتخزينها، وتنظيف الأدوات، وإشعال النار أو توفير الوقود، والطهي والتوزيع. كما يحتاج إلى تنظيم المتطوعين، ومتابعة الاحتياجات، ورعاية الأطفال، والتعامل مع الأسر التي تواجه ظروفًا صحية أو اجتماعية صعبة.
تقوم النساء بجزء كبير من أعمال الطهي والرعاية وتنظيم الاحتياجات في عدد من المبادرات والمجتمعات. ويضاف هذا العمل إلى مسؤولياتهن المنزلية، وإلى ما قد يتحملنه من أعباء النزوح وفقدان الدخل ورعاية أفراد الأسرة. وقد وثقت تقارير عن الأزمة السودانية الآثار غير المتكافئة للحرب على النساء والفتيات، بما في ذلك المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والأمنية واحتياجات الحماية.
حين تُقدَّم وجبة لعشرات الأشخاص، لا تظهر قيمة الطعام وحدها في الحسابات؛ هناك أيضًا ساعات من العمل الذي قد لا يحصل أصحابه على مقابل مادي، ولا يُسجل في ميزانيات المبادرات. وحين تتولى امرأة إعداد الطعام للتكية ثم تعود إلى رعاية أطفالها أو كبار السن أو أفراد الأسرة المرضى، فإن استمرار المساعدة يعتمد جزئياً على وقتها وجهدها ومواردها الشخصية. لذلك، فإن الاحتفاء بصمود النساء لا ينبغي أن يحجب السؤال عن الكلفة التي يتحملنها. فالصمود ليس مورداً بلا حدود، والعمل التطوعي لا يعني غياب الحاجة إلى الراحة أو الدعم أو الحماية. وإذا اعتمدت المبادرات طويلاً على تضحيات المتطوعات والمتطوعين من دون توزيع الأعباء أو توفير موارد تساعد على استمرار العمل، فقد يتحول التضامن من وسيلة لحماية الحياة إلى مصدر إضافي للاستنزاف.
ويتصل ذلك أيضاً بقدرة الأسر على الاستمرار في تقديم المساعدة. فقد تساهم الأسرة بما لديها، لكنها قد تفعل ذلك على حساب احتياجاتها الخاصة. وقد تستضيف أسرة نازحة لأسابيع أو أشهر، بينما تواجه هي نفسها ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل. ومع مرور الوقت، تتقلص القدرة على العطاء، خصوصاً عندما تتزامن الاحتياجات المتزايدة مع تراجع التحويلات والتبرعات.
ومن هنا، فإن سؤال "من يدفع ثمن التضامن؟" ليس اعتراضاً على المساعدة الشعبية، إنما محاولة لفهم شروط استمرارها. فالاستجابة العادلة لا تقاس فقط بعدد الوجبات التي توزّع، إنما أيضاً بمدى قدرتها على حماية العاملين فيها من الاستنزاف، والاعتراف بالعمل الرعائي، وتجنب تحميل الأسر الأكثر فقراً عبئاً إضافياً باسم التكافل والتضامن.

متطوعون من غرف الاستجابة للطوارئ في السودان يوزعون الطعام على الأسر. المصدر: kpbs.org
معنى التضامن داخل اقتصاد الحرب
في الواقع، لا تعمل التكايا وغرف الطوارئ خارج الاقتصاد الذي أنتج الأزمة. فهي تحتاج إلى شراء الحبوب والزيت والبقول والوقود، وإلى نقل المواد عبر طرق قد تكون خطرة أو معطلة. كما اعتمدت مبادرات كثيرة على التبرعات والتحويلات المالية التي تتأثر بتراجع دخول الأسر، وصعوبة التحويل، وتقلبات الأسعار. وتوضح بيانات البنك الدولي حجم الاضطراب الاقتصادي الذي رافق الحرب، بما في ذلك الارتفاع الحاد في التضخم، وتدهور العملة، واضطراب الأسواق، واتساع الفقر. وفي مثل هذه الظروف، لا يمكن فصل تكلفة الوجبة التي تقدمها التكية عن ظروف السوق التي تشتري منها مكوناتها.
وقد أضطرت المبادرات، كما أفاد ثلاثة متطوعون في غرف طوارئ في جنوب وشرق دارفور، فضلوا عدم كشف هوياتهم، إلى التعامل مع موردين وأسواق غير رسمية لتأمين الغذاء في المناطق التي تتعطل فيها قنوات الإمداد المعتادة. وهذا لا يجعل المبادرات شريكاً في اقتصاد الحرب تلقائياً، لكنه يكشف أن الاستجابة الإنسانية تعمل داخل بيئة اقتصادية مشوهة بالعنف والندرة ومخاطر النقل والسيطرة على الطرق والموارد.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي افتراض أن المجتمع ينقسم ببساطة إلى متضامنين من جهة ومستغلين من جهة أخرى. فقد تؤمّن شبكة قرابة المأوى لأسرة نازحة، بينما تمنح شبكة أخرى بعض الأفراد وصولاً أفضل إلى الموارد. وقد تساعد التجارة على توفير الغذاء، بينما ترفع الندرة والأسعار تكلفة الحصول عليه. وبالتالي، تظل المسألة الأساسية هي كيف يمكن ضمان وصول الموارد إلى المحتاجين، وحماية المبادرات من الاستغلال والتدخلات التي تعرقل عملها، ودعم الأسواق المحلية التي توفر السلع الأساسية، مع تجنب تحميل المتطوعين أعباء مالية وإدارية لا تتناسب مع قدراتهم.
كما أن استدامة التكايا، في الواقع، لا تعتمد على النوايا وحدها. فالمبادرة التي توزع الطعام تحتاج إلى موارد تتجدّد، وإلى إمدادات يمكن الوصول إليها، وإلى متطوعين قادرين على مواصلة العمل بفعالية وعدالة. وإذا تراجعت التبرعات وارتفعت الأسعار واستُنزفت الموارد المتوفرة، فإن قدرة التكية أو المبادرة المحلية على الاستمرار تتقلص مهما كانت درجة التضامن داخل المجتمع.