هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

في كمبالا وعلى بعد آلاف الكيلومترات من الخرطوم لا تنتظر النساء نهاية الحرب، هن يصنعن حياة موازية، مشروعاً تلو الآخر وفضاءً عاماً جديداً ربما لم يكن متاحاً لهن حتى قبل النزوح. منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 يعيش البلد واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخه الحديث. تشير البيانات إلى نزوح أكثر من 13 مليون شخص داخلياً وخارجياً، بينهم أكثر من 4 ملايين لاجئ في دول الجوار وتشكل النساء والفتيات نسبة تتجاوز النصف في بعض هذه الدول مثل مصر، ما يضعهن في صدارة الأزمة الإنسانية لا بوصفهن متضررات فقط بل كمسؤولات عن إعالة أسرهن وحماية أطفالهن في بيئات جديدة وقاسية.


مخيم فرشانة للاجئين في شرف تشاد يضم أكثر من 22 ألف لاجئ سوداني، من بينهم بعض الذين يعيشون هناك منذ نزوحهم الأول خلال نزاع دارفور عام 2003 المصدر:الجزيرة 


ووفقاً لتقارير منظمات إنسانية فإنهن يتحملن أعباء مضاعفة بجانب التأقلم مع ثقافات جديدة لكن وسط هذه التحديات تنكشف مبادرات نسائية وجهود فريدة، بعض اللاجئات وجدن في الفن والحرف اليدوية وسيلة للتنفيس عن الألم، وأخريات أسسن مشاريع صغيرة أو منظمات محلية تركز على دعم النساء والفتيات وتقديم برامج توعية وصحة نفسية وريادة أعمال.


وكأن الشاعر الفلسطيني محمود درويش يعبر عنهن عندما قال في منفاه:


"نحن ما نترك في المنفى وفينا من أثَرْ

نحن أعشابُ الإناءِ المنكسِرْ

نحن ما نحن و مَنْ نحنُ فما جدوى المكان ؟"


السياق الكمي وتوزيع خارطة النزوح


لا تقتصر أزمة اللجوء السوداني على الأرقام المطلقة، بل تكمن في ديموغرافية التوزيع التي تضع النساء في مواجهة مباشرة مع التحديات الاقتصادية والقانونية في دول الجوار.


خريطة التوزع الجغرافي ونسبة النوع الاجتماعي للاجئين السودانيين (تحديث فبراير 2026)


لا يمثل نزوح 2023 نقطة البداية لآلاف السودانيات ففي مخيمات شرق تشاد مثلاً تعيش أجيال من النساء نزوحاً ممتداً منذ اندلاع حرب دارفور عام 2003 شكّلت النساء النسبة الأكبر من اللاجئين السودانيين إلى شرق تشاد ووفق تقارير UNHCR خلال الأعوام 2003 - 2006 تجاوزت نسبة النساء والأطفال 75% من إجمالي اللاجئين في بعض المخيمات.


تكشف هذه الأرقام حجم الأزمة وعمق تأثيرها على النساء والفتيات وما لديهن من أفكار ومشاعر وآمال ورغبات كما يُشكلن  كإحصائيات  نحو نصف اللاجئين في معظم دول الجوار. لكن هذه الأرقام لا تروي القصة كاملة، تجارب مريم حامد، نسيبة آدم، وإيناس هارون تنقل جانبًا آخر من الحكاية.  حيث لا يقتصر دور النساء على النجاة من الحرب  بل يمتد إلى قيادة مبادرات مدنية وإطلاق مشاريع اقتصادية وخلق مساحات دعم نفسي ومجتمعي في المنافي.


توزيع اللاجئين السودانيين في دول الجوار ونسبة النساء والفتيات بينهم المصدر: مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تحديث فبراير 2026 



مريم حامد: من النزوح إلى بناء كيان للنساء


قبل اندلاع الحرب في السودان كانت مريم حامد على أعتاب حلم كبير: شابة سودانية متحمسة بدأت دراسة دبلوم في العلاقات الدبلوماسية وفي الوقت ذاته كانت تضع اللبنات الأولى لمبادرة كيان لتمكين المرأة يتمثل اهتمامها بالعمل العام بقضايا النساء والشباب والمبادرات المجتمعية. تؤمن مريم  بأن التعليم والعمل المدني هما أقوى أدوات للتغيير وأن مساهمتها في بناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة رسالتها في الحياة.


 مريم حامد مؤسسة منظمة كيان لتمكين المرأة :المصدر الساقية برس


الحرب غيرت وتيرة حياتها كما الكثيرين واصفة " تأثرت بالحرب كما هو حال السودانيين عند بدايتها كنت أتوقع أنها ستتوقف خلال أيام لكن للأسف استمرت فاضطررت للجوء مع أطفالي إلى أن استقر بنا  الحال كلاجئين في أوغندا". تصف خطوات النزوح الأولى ومخاوف طريق الغربة بأنها لحظة صعبة مليئة بالمخاوف، لكنها أدركت لاحقاً أنها بداية جديدة . قالت "كانت لحظات خوف وحزن،  لكن في الوقت ذاته كانت نقطة ضوء وبداية جديدة في حياتي". من أكثر ما افتقدته في المنفى كانت تفاصيل حياتها الصغيرة، كجلسات الأسرة والجيران وحتى صوت بائع الخضار الذي يمر كل صباح.


رغم قسوة النزوح ظلت مريم متمسكة بفكرتها " كيان" التي كانت فكرة على الورق قبل الحرب، وتحولت إلى مبادرة حقيقية في المنفى. تعمل الآن  كيان لتمكين المرأة في شرق دارفور ومخيم كيرياندونغو للاجئين في أوغندا وتركز على تمكين النساء اقتصادياً واجتماعيا وسياسياً  مع اهتمام خاص بقضايا السلام والعدالة ونفذت برامجها للمجتمعات المتأثرة بالنزاع.


وخلال عامي 2024 و2025 نفذت كيان ما بين 12 إلى 15 دورة تدريبية وورشة عمل وجلسة حوارية شملت تدريبات الدعم النفسي والاجتماعي، وبناء السلام والتعايش السلمي وتدريب القرار الأممي 1325 حول المرأة والسلام والأمن،  وورش الحرف والصناعات المحلية للأرامل و المتضررات من الحرب، وجلسات الحوار النسوي وبناء الثقة في كمبالا. كما نظمت تدريبات الإسعافات الأولية إضافة إلى فعاليات التوعية ضمن حملة 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة، وبرامج "أكاديمية كيان" لبناء القيادات النسوية.


بداياتها في بلد جديدة عليها حملت تحديات اللغة والتأقلم لكن كانت لها وصفتها الخاصة للنجاح، كما تقول مريم "لم يكن هناك خيار آخر غير التأقلم  في المنفى. تغلبت على التحديات  بالإصرار والتعلم المستمر والاعتماد على التضامن بين المجتمع السوداني".


ورشة حول الصحة الإنجابية نظمتها منظمة كيان بمحلية عديلة، ولاية شرق دارفور، يوليو 2024. المصدر: صفحة منظمة كيان فيسبوك 


أثر شخصي وجماعي


هذه النشاطات التطوعية منحت مريم راحة نفسية وإحساس بالعطاء إنعكس على حياتها الشخصية وفعالياتها في العمل العام، أضافت "للعمل الطوعي مردود  نفسي كبير والإحساس بأني أفعل ما أود فعله، خاصة عند رؤية نتائج عملي في دعم النساء والمساهمة في تخفيف صعوبات الغربة واللجوء عليهن".


ووفقاً للتقييمات الداخلية للمنظمة أظهرت النتائج أن نحو 70 بالمئة من المشاركات اكتسبن مهارات عملية ومهنية جديدة، خاصة في مجالات الحرف اليدوية، القيادة ومهارات بناء السلام.  كما ساهمت برامج الدعم النفسي والتوعية في تعزيز الثقة بالنفس والقدرة على المشاركة المجتمعية لدى نسبة كبيرة من المستفيدات. منذ تأسيسها في عام 2024 استفادت بشكل مباشر وغير مباشر أكثر من 600 امرأة وفتاة من البرامج المختلفة في السودان وأوغندا، شملت برامج بناء القدرات التدريب المهني، الدعم النفسي والاجتماعي التوعية بحقوق المرأة، ومبادرات دعم سبل العيش مع تركيز خاص على النساء المتأثرات بالنزاعات والأرامل واللاجئات.


ورشة حوار لمنظمة كيان لتمكين المرأة، مخيم كيرياندونغو للاجئين، أوغندا، 2024. المصدر: صفحة كيان على فيسبوك


لحظات مفصلية


من أبرز محطات تجربتها مشاركتها كمتحدثة في مؤتمر GIMAC في غينيا حيث عرضت أوضاع النساء السودانيات في المؤتمر. وتسترجع مريم "تفاعل الحضور بشكل كبير مع مع قضايا النساء خلال فترة الحرب، وعبروا عن تضامنهم. لحظة كهذه مهمة بالنسبة لي لأنها تأكد إن أصوات النساء السودانيات قد وصلت للعالم".


من منفاها ما زالت مريم متمسكة بالأمل الذي تبعث به مع رحيق تجربتها لعصافير المنافي في النزوح واللجوء وتقول للنساء "تمسكن بأحلامكن لا تستسلمن مهما صعبت الظروف فالنزوح واللجوء لا يعني نهاية الأحلام، بل قد يصبح بداية جديدة للتعلم وبناء الذات".  تجربة مريم تؤكد أن التعليم والعمل المدني ليسا مسارين منفصلين عن الواقع بل أدوات لإعادة بناء الذات والمجتمع معًا، حيث أصبحت المعرفة  تتجاوز طموحها الشخصي وكأنها جسر يعيد تثبيت الجذور في أرض جديدة.


نسيبة آدم.. فناجين تصور المشاعر


قبل أن تشتعل الحرب كانت نسيبة آدم، خريجة التغذية العلاجية ومنسقة العلاقات العامة في منظمة شارك لتنمية المجتمع شابة سودانية مفعمة بالحياة قبل أن يجدها المنفى على غير موعد. تقول "لم أستوعب بسهولة فكرة أني أصبحت لاجئة فجأة وأنه قد ضاع جهدي وخططي. كنت افتقد رائحة المنزل والشاي المسائي مع أسرتي، لكن بعد فترة أدركت أنه الحياة مستمرة وعلي أن استمر".


في غربتها يظل الحنين للوطن والأحياء والطرقات وجلسات البيت ولمّة الصديقات والذكريات التي التصقت بها حاضراً. فكرت نسيبة مراراً وتكراراً في أن تستغل نقاط قوتها ومهاراتها خاصة في النقش والرسم لتضيف لحياتها وللآخرين. بدأت بتطوير شغفها القديم بالأشغال اليدوية والتحقت بدبلوم لتصميم الأزياء، كأنها تذكرنا بأن الشغف وحده ليس كافي ولابد من اقترانه بالتعلم وتطوير المهارات. وهذا ما قادها لتبدأ مشروعاً مبتكرًا هو تصميم فناجين قهوة مصورة تحمل بصمة وهوية كل امرأة أو كما تطلبها. تضيف نسيبة "أوصل رسالة  من خلال أعمالي هي أننا كنساء في المنافي سند لبعضنا البعض، وجلسات القهوة النسائية البسيطة تحمل طاقة دعم نفسي خفي وحاولت تجسيد هذا الإحساس  في فنجان".


الصناعات اليدوية الخاصة بنسيبة آدم في كمبالا 2025. الصورة من البشير دهب


واجهتها عقبات في الحصول على خامات بأسعار معقولة إلى جانب صعوبة التعبير عن أفكارها في بيئة لغتها السائدة الإنجليزية.  تمسكت بإصرارها حتى تحوّل نشاطها من مجرد حرفة شخصية إلى مساحة علاج نفسي لها ولغيرها. أضافت "عندما أصمم فنجان بالنقش عليه وأرى كيف يغير مزاج السيدات عند الاجتماع بصديقاتهن، هذا يعمق لدى قيمة ما أقدمه من عمل وجهد ".


في فترة وجيزة لامست  تجربتها نساء أخريات حيث أخبرتها إحدى النساء أنها ترى في الفكرة وسيلة مبتكرة لإدخال الدعم النفسي إلى مركزها النسائي في أوغندا. فشاركت نسيبة الفكرة في جلسة إرشاد نفسي للاجئات سودانيات ووصفت تلك اللحظة بامتنان عميق: "كل واحدة في الجلسة كانت تحكي إحساسها وهي ممسكة بفنجانها المصمم لها خصيصا كان مشهد مؤثر جداًَ، منحنا إحساس من السلام الداخلي وان لكل واحدة منا قوة قادرة على خلق بيئة جديدة وسلمية حتى وسط أصعب الظروف".


مشروع نسيبة تجاري فهي تضيف لمسة ونقوش وكلمات على الفناجين ثم تغلفها وترسل الطلبات للزبائن أصبح لها مصدر دخل جعل حياتها أسهل في الغربة. في حين أن أعمالها التي تحمل رسائل إيجابية للمرأة وجانب من الثقافة السودانية تمثل إضافة نفسية وتشجعية للنساء والفتيات. توجه لهن رسالة بنكهة القهوة للسودانيات سواء داخل الوطن أو في المنافي: "المرأة السودانية مميزة بتراثها الثقافي الغني والحرب اختبرتنا جميعاً، إذا كان هناك شيء واحد جيد ولو صغير لا تترددن في فعله، فالنجاحات الكبيرة تبدأ من خطوة تبدو عادية إذا واصلنا العمل".


تجربة  نسيبة تؤكد أن الإبداع، وسيلة علاج نفسي في مواجهة القسوة، والفنون البسيطة مثل تصميم فناجين القهوة تحولت إلى جسر للتواصل والدعم النفسي وإلى لغة مشتركة تعبر عن الألم والأمل معًا. هكذا حولت نسيبة تجربة اللجوء من عبء نفسي إلى مساحة للإبداع والتأثير، مؤكدة أن الفقد لا يلغي القدرة على البناء وأن المنفى قد يكون نقطة وضوء ونحن من نقرر.


الصناعات اليدوية الخاصة بنسيبة آدم في كمبالا 2025. الصورة من البشير دهب


إيناس هارون: ريادة تصنع الجسور بين الثقافات


لم تكن الحرب بالنسبة لإيناس هارون محمد مجرد لحظة فقدان لمصدر رزق، بل كانت لحظة اختبار لقدرتها على النهوض من جديد. خريجة الصيدلة من جامعة الأحفاد للبنات أسست قبل اندلاع الحرب مبادرة تيجان النسائية في نيالا، وكان مشروعها في بدايته مركز تجميل موجه للنساء وسرعان ما كبر متحولاً إلى مشروع متكامل يضم مقهى ومركز تدريب يقدم برامج توعوية تنموية، ونادي صحي رياضي نسائي.  بالنسبة لها كانت "تيجان" أكثر من مجرد مشروع تجاري بل مساحة آمنة للنساء لتطوير مهارات تعزز ثقتهن بأنفسهن ومشاركة لحظات من الفرح والراحة.


من يغادر منزله مجبراً بسبب الحرب حاملاً معه كل ذكريات المنزل مثل قهوته المعتادة مع الوالدين أو الأصدقاء فاقداً مصدر دخله  ومشروعه الجديد مثل مشروع إيناس ربما يتفهم إحساسها التي تصفه في تلك اللحظة. تقول "في يونيو 2023 خرجت من نيالا إلى أوغندا وأول ما وصلت، أحسست بالضياع و بأني فقدت كل شي بنيتيه". إحساس الضياع لم يدم طويلاً حيث استعادت شغفها بالعمل فقررت تطوير لغتها الإنجليزية لتوسع فرصها ثم التفتت إلى خبرتها في تصنيع المنتجات النسائية لتبدأ من بيتها في المنفى منصة إلكترونية صغيرة تعرض فيها منتجاتها. المفاجأة كانت أن بعض زبائنها القدامى ظهروا من جديد لدعمها.


وخلال العامين الأخيرين استفادت أكثر من 200 امرأة من برامج  تيجان النسائية في كمبالا، سواء عبر التدريب المباشر أو من خلال الفعاليات المجتمعية المصاحبة. ولم تقتصر المبادرات على النساء السودانيات فحسب بل امتدت لتشمل تفاعلًا مع المجتمع المضيف في مساحات مشتركة من التعلم والعمل وتبادل الخبرات.


هذه الخطوة الصغيرة فتحت باباً أكبر لتعاونها مع منظمات سودانية أخرى، حيث نفذت 10 دورات تدريبية متخصصة إلى جانب 3 جلسات حوارية تناولت الدعم النفسي وونسة أعمال تجارية لتطوير المشاريع الصغيرة ومناهضة خطاب الكراهية. هذه البرامج لم تكن نظرية بل ركزت على التطبيق العملي وبناء مهارات قابلة للتحويل إلى دخل وفرص عمل.


صورة تظهر جانب من جلسة توعوية نظمتها مؤسسة تيجان النسائية ضمن فعاليات أكتوبر الوردي لتعزيز الوعي الصحي لدى النساء في كمبالا أكتوبر 2025 المصدر: مؤسسة تيجان النسائية

 

إصرار إيناس على إحياء مشروعها الأول قادها لإعادة إطلاق مبادرة  تيجان النسائية في أوغندا ليس كمركز تجميل فحسب، بل كمنصة متعددة الأوجه من أبرز إنجازاتها في المنفى كان "مهرجان تيجان للتناغم والريادة" الذي تجاوز عدد حضوره ألف شخص وضم نحو 40 طاولة عرض لنساء لاجئات صاحبات مشاريع صغيرة. لم يكن المهرجان فعالية ثقافية فحسب بل منصة اقتصادية أتاحت للنساء عرض منتجاتهن وبناء علاقات تجارية والانفتاح على جمهور أوسع من المجتمع المضيف، لأنه جمع بين الثقافة السودانية والثقافة المحلية للمجتمع. تقول إيناس "المهرجان كان لحظة فارقة لأنه لم يحتفى فقط بإبداع النساء بل جسّد فكرة التعايش والتناغم الثقافي وتبادل الخبرات والفرص".  المهرجان خلق فرصًا اقتصادية حقيقية للنساء وأظهر قدرتهن على التأثير المجتمعي داخل بيئة اللجوء.


اختلاف مسارات التمكين في سياقات النزوح واللجوء


في سياقات النزوح مثل جنوب السودان تواجه النساء تحديات قوية في الزراعة وسبل المعيشة الأساسية وغالبًا ما يرتكز تمكينهن على مشاريع زراعية جماعية وحلول غذائية مستدامة. في المقابل في أوغندا حيث تعيش كثير من السودانيات كلاجئات تظهر فرص أوسع للمبادرات التجارية والحرفية والتعلم المهني  مثل ورش التدريب والحرف اليدوية التي تربط النساء بالمجتمع المحلي وتفتح لهن سبل دخل متعددة. يعكس هذا الاختلاف بين السياقين تنوع الفرص والتحديات، ويبرز أن المنفى يمكن أن يصبح مساحة لإعادة تعريف الدور الاجتماعي للمرأة وتمكينها اقتصادياً وثقافياً - بعيداً عن التركيز فقط على النجاة والبقاء.


ورغم محدودية الإمكانيات واصلت تيجان عملها عبر دورات تدريبية وبرامج دعم نفسي وأنشطة توعوية للأمهات في التربية ومناهضة خطاب الكراهية. بالنسبة لإيناس كل مبادرة صغيرة هي لبنة في بناء أكبر ورسالتها للمرأة السودانية: "يجب أن نفكر خارج الصندوق فالظروف صعبة لكن نحن قويات قادرات أن نبتكر حلول جديدة، ونساهم في بناء مجتمعات متعايشة بالسلام رغم كل شيء."


فقرة رقصة أوغندية تقليدية خلال مهرجان تيجان للريادة والتناغم في كمبالا، في مشهد يعكس التبادل الثقافي بين السودانيات والمجتمع المضيف المصدر: مؤسسة تيجان النسائية فيسبوك 


ولم يقتصر عمل تيجان على التدريب وريادة الأعمال بل امتد إلى التوعية الصحية حيث نظمت المؤسسة جلسة ضمن فعاليات أكتوبر الوردي للتوعية بسرطان الثدي استهدفت نساء من مجتمع اللجوء الجلسة ركزت على أهمية الكشف المبكر وتعزيز الثقافة الصحية لدى النساء في سياق تعاني فيه اللاجئات من محدودية الوصول إلى المعلومات والخدمات الصحية.

جسّدت إيناس مفهوم الريادة ذات البعد الاجتماعي عبر إعادة إطلاق "تيجان" في المنفى محولة مشروعها التجميلي إلى منصة ثقافية واقتصادية تجمع بين الهوية السودانية والتفاعل مع المجتمع المضيف. هكذا تصبح المشاريع الصغيرة فعل مقاومة ناعم يعيد بناء المعنى وسط الفقد.


اللافت في هذه التجارب أن المنفى لم يُبقِ النساء في مساحة الانتظار داخل المنازل، بل دفع بهن إلى الفضاء العام والتدريب والعمل والتنظيم والتشبيك مع المؤسسات، وإدارة مشاريع اقتصادية. هذا الانتقال يمكن اعتباره  تحولًا في تعريف الدور الاجتماعي للمرأة في سياق اللجوء.


المنفى كمساحة لإعادة تعريف الحياة 


لا يمكن فهم هذا التحول بوصفه مجرد استجابة ظرفية للجوء بل هو إعادة تشكيل واعية للهوية. تشير كتابات النسوية العابرة للحدود كما في كتاب شيري موراجا  "هذا الجسر الذي يُسمى ظهري" إلى أن الهوية ليست كيانًا ثابتًا بل فضاءً متحركًا يتشكل عبر التفاعل بين الذاكرة والانتماء والواقع الجديد. فالنساء في المنافي لا يقطعن صلتهن بالوطن بل يُعدن إنتاجه رمزيًا داخل المساحات المؤقتة التي يعشن فيها. هذا ما تصفه الباحثة Halleh Ghorashi بإعادة بناء الذات في سياق الهجرة حيث تتحول المشاركة في الحيز العام والعمل والتفاوض مع المؤسسات إلى أدوات لإعادة تعريف الدور الاجتماعي والذات الفردية معًا. كما أن مفهوم “تداخل الهويات” الذي طورته Patricia Hill Collins في كتابها "الفكر النسوي الأسود" يساعد على قراءة تجربة النساء السودانيات بوصفها تقاطعًا بين الجندر والانتماء الوطني والوضع القانوني كلاجئات. فاللجوء لا يمحو الهوية بل يعيد ترتيب طبقاتها. ومن هنا يمكن فهم "الوطنية الجوالة" ليس كحنين ثابت بل كقدرة على حمل الذاكرة الوطنية داخل فضاءات جديدة ومع اكتساب مهارات ولغات وأدوار عامة تعزز ما يمكن تسميته بـ "التكيف النشط".


بهذا المعنى يصبح خروج المرأة من الحيز الخاص إلى الحيز العام في مجتمع اللجوء أكثر من ضرورة اقتصادية؛ إنه تحول بنيوي في تعريف الذات وفي موقع المرأة داخل مجتمعها الأصلي والمجتمع المضيف.


التجارب المقدمة لا تنفصل عن مسارات مشابهة عاشتها نساء من جنوب السودان أو إريتريا حيث لعبت النساء اللاجئات أدواراً محورية في خلق مجتمعات صغيرة قادرة على التماسك. وربما الحالة السودانية ذات خصوصية لأنه يتلقى فيها الحلم بالألم كما يلتقي النيلان الأزرق والأبيض في قلب الخرطوم وتصر النساء السودانيات على تحويل الخسارة إلى فرصة للابتكار كإصرار النيل نفسه على الوصول لأفقه البعيد مهما تغير الطقس وعاندته المنعرجات.


هذه الشهادات الثلاث ليست سوى نماذج من مئات القصص التي تُكتب يومياًَ في المنافي إنها تؤكد أن المرأة السودانية لم تفقد صوتها رغم الحرب بل أعادت اكتشافه بطرق جديدة في قاعة التعلم، وفي فنجان قهوة وفي مهرجان يحتفي بالثقافات في مواجهة خطاب الكراهية والحرب. تصر السودانيات على صناعة التأثير لا بوصفهن ناجيات فقط  بل كقائدات ورائدات في بناء مستقبل يتجاوز حدود الجغرافيا.


ربما لا تملك السودانيات في المنفى سلطة إيقاف الحرب لكنهن يملكن سلطة إعادة تعريف الحياة بعدها. وفي هذا التعريف الجديد لا يعتبر اللجوء حالة انتظار، بل مساحة لإعادة ترتيب الأدوار وبناء شبكات تضامن وخلق اقتصاد نسوي صغير لكنه عنيد.


البشير دهب

البشير دهب، صحفي استقصائي مهتم بقضايا الهجرة وقائد شبابي سوداني، حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة النيلين. صاحب فكرة برنامج "حصاد غربة" (قيد التنفيذ) لتوثيق تجارب السودانيين في المهجر. شارك في مؤتمرات وبرامج دولية، آخرها منحة ناصر للقيادة الدولية  – النسخة الخامسة 2025. قاد مبادرات محلية لتمكين الشباب ومناصرة قضايا السلام وحقوق الإنسان.