وصوله إلى أروشا، تنزانيا
وصل حسن عبد الواحد إلى أروشا، تنزانيا، في يوم سبت بارد في عام 1987، بصفته خبيراً في الاتحاد البريدي الأفريقي. استقل رحلة مباشرة على خطوط لوفتهانزا من مطار الخرطوم الدولي إلى مطار كليمنجارو الدولي. في ذلك الوقت، كانت تذكرة الطائرة تكلف 109 جنيهات سودانية. هذه هي قصة كيف حمل رجل سوداني السودان معه لمدة 40 عاماً في البلد الذي أصبح وطنه الثاني؛ تنزانيا.
وُلِد حسن عبد الواحد في الخرطوم، السودان، في 18 مارس 1940. بعد تخرجه من الجامعة، عمل في مؤسسة البريد السودانية "البريد والبرق"، حتى وصل إلى منصب نائب المدير في عام 1986. في عام 1987، تم اختيار حسن كخبير للاتحاد البريدي الأفريقي ووصل إلى أروشا، تنزانيا. عمل في الاتحاد لمدة 14 عاماً، سافر خلالها عبر القارة، وتعرف على جمالها وتنوعها، إلا أنه اختار أروشا، تنزانيا، موطناً له. حسن عبد الواحد هو والد لـ 11 طفلاً - 9 من زوجته السودانية فتحية، و 3 من زوجته التنزانية كوثر.

حسن عبد الواحد، صورة التخرج
ماذا عن أروشا؟
مدينة أروشا، الواقعة في منطقة أروشا في تنزانيا، هي مدينة جميلة وهادئة تتمتع بمناخ معتدل وبارد. تقع أسفل جبل ميرو على الحافة الشرقية للفرع الشرقي من الوادي المتصدع العظيم، وتعتبر بوابة لوجهات رحلات السفاري مثل منتزه سيرينغيتي الوطني ومنطقة نجورونجورو المحمية، بالإضافة إلى أعلى قمة جبلية في أفريقيا، جبل كليمنجارو.
ومن الجدير بالذكر أن أروشا، باعتبارها انعكاساً لتنزانيا نفسها، تتمتع بمجتمع متنوع ولكنه متناغم. يمكن للمرء أن يجد المسيحيين والمسلمين والهندوس والسيخ وغيرهم، جميعهم يتعايشون بسلام ويزدهرون معاً.
ساهمت هذه العوامل في جعل أروشا مركزاً دبلوماسياً طوال العقود. نجد في المدينة المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ومعهد إدارة جنوب شرق أفريقيا، بالإضافة إلى مركز أروشا الدولي للمؤتمرات. ولا ننسى أن نيروبي، نبض شرق أفريقيا وعاصمة كينيا، تبعد فقط 200 كم.
الأسلوب السوداني المميز
عندما وصل العم حسن إلى أروشا، كانت هناك ثلاثة فنادق في المدينة: فندق جبل ميرو، فندق أروشا، وفندق 77. كان لديه ترتيب مثير للاهتمام مع موظفي هذه الفنادق الثلاثة. اتفق معهم على أنه عندما يصل ضيف سوداني، سيقومون بالاتصال به، وسيصل هو إلى الفندق في نفس اليوم أو في اليوم التالي على أقصى تقدير لاستقبال الضيف، واصطحابه في جولة، وتعريفه بالمدينة. كان الوافد الجديد يسعد بصحبةٍ مُرحِّبةٍ في تلك الأيام القليلة الأولى، ويتخلص من توتر الغربة في مكان جديد. من ناحية أخرى، كان العم حسن يسعد لأنه يجد لمسة من الوطن في الوافد الجديد.
ومع مرور السنوات، وزيادة عدد الفنادق، انتهى هذا الترتيب تدريجياً. ومع ذلك، بحلول ذلك الوقت، كان العم حسن قد اكتسب سمعة كبيرة في الأوساط السودانية، حيث كان السودانيون الذين يسافرون إلى أروشا يتواصلون معه كما يمرون عبر أماكن مثل السفارة، بنك السودان (للمسؤولين الحكوميين الذين يحضرون المؤتمرات)، ووزارة التربية والتعليم (للطلاب السودانيين). وكانوا يقولون دائماً: "ابحثوا عن حسن أروشا"، وبالتأكيد كان الوافد الجديد يجد العم حسن، عبر المعارف، أو في صلاة الجمعة في مساجد المدينة. بعد لقاء العم حسن وعائلته، كانوا يتسمون بالدفء السوداني وإحساس الوطن بعيداً عن الوطن، مع لمسة من ضيافة تنزانية. وبهذه الطريقة، أصبح العم حسن، وعائلته، وبيته، امتداداً للسودان نفسه، في قلب تنزانيا.

تجمع في منزل حسن عبد الواحد في أروشا، تنزانيا
حماية الأسلوب السوداني
سألتُ العم حسن عن عيش التراث السوداني والحفاظ عليه، وفضائل الكرم والتضامن، فأجاب أن هذه الصفات قد غرست فيه منذ طفولته. وأعطى مثالاً من أيام شبابه في دنقلا، و في ولاية نهر النيل بالسودان. في تلك الأيام، كان يساعد والده في متجرهم، وعندما يحين المساء، لم يغلقوا المتجر ببساطة ويعودون إلى البيت، بل كان يقضي المساء مع أقرانه على بساط "برش" أمام البيت، وبجانبهم قدر فول "قدرة" يُطهى للعشاء، ويرحبون بجميع المارة للجلوس والمشاركة في تناول الطعام. من تلك الأيام والدروس، تعلم العم حسن جوهر التضامن داخل المجتمع السوداني. كما قال: "كان المجتمع مترابطاً، والمجتمع المترابط هو مجتمع متجانس ومتكامل".
في مناسبة أخرى، بينما كان يدرس دراسات ما بعد التخرج في ألمانيا، وصل العم حسن خبر ولادة ابنه هيثم. كانت احتفالية ولادة هيثم، كما نطلق عليها في السودان "السماية"، حدثاً ضخماً جمع سودانيين من جميع أنحاء أوروبا، حاضرين بجيتاراتهم وطبولهم وعودهم. كانت الاحتفالية كبيرة جداً لدرجة أن الشرطة الألمانية جاءت للاستفسار عن ما كان يحدث، وانتهى الأمر بظهور "السماية" في صحيفة ألمانية.
تنزانيا تصبح وطناً ثانياً
تم منح العم حسن الجنسية التنزانية في عام 2004، بعد أن عاش في تنزانيا لما يقرب من ثلاثة عقود، حيث أسس عائلة مع زوجته التنزانية، العمة كوثر، وأطفالهما الثلاثة، الذين يعتبرهم "بذوراً سودانية في تنزانيا"، وتعلم اللغة الرسمية السواحيلية. وهو الآن يعتبر تنزانيا وطناً ثانياً له، وبيته، مثل أي بيت تنزاني، مفتوح للتنزانيين والسودانيين على حد سواء.

تجمع العيد في منزل حسن عبد الواحد في أروشا، تنزانيا
تصور أيوب
استغليت الفرصة وسألت أيوب، ابن العم حسن والعمة كوثر، عن تجربته كابن لثقافتين، وبلدين، وتراثين غنيين، ليسوا متشابهين تماماً، لكن كل منهما غني بماضيه وحاضره ومستقبله. سافر أيوب إلى السودان وهو في الرابعة من عمره، حيث عاش هناك حتى أنهى دراسته الجامعية. وفي تلك الفترة، كان يزور تنزانيا خلال الإجازات؛ أطول فترة قضاها في تنزانيا كانت بين عامي 2019 و2024. وفي هذا السياق، قال أيوب إنه يشعر باتصال أقوى بجانبه السوداني، ثقافياً، من خلال العائلة والأصدقاء والذكريات.
وفي معرض حديثه عن الثقافة السودانية، ذكر أيوب أنه يقدر الالتزام الديني الإسلامي الموجود في السودان. كما يستمتع بالتضامن والروابط الوثيقة التي تشكل نسيج المجتمع السوداني، والتي لم يصادفها في أي مكان آخر في العالم.
وفي الثقافة التنزانية، أعرب عن تقديره للاستقلالية والمسؤولية التي غُرست في نفوس الفتيان والفتيات التنزانيين على حد سواء؛ منذ نعومة أظفارهم، يتم تعليمهم العناية بأنفسهم وتنظيف المكان بعدهم. إضافةً إلى ذلك، يُعجبه بساطة احتفال التنزانيين المسلمين وتنظيمهم للزواج، وتشجيعهم وتسهيلهم له، على عكس حفلات الزفاف السودانية الأكثر تعقيداً.
وعندما سألته عن كيفية رؤيته لتجسيد والده وتمثيله للجانب الجميل في السودان: الطيبة، والضيافة، والكرم، أحضر أيوب إلى الحديث أحد المفاهيم الاجتماعية الأكثر رمزية واستدامةً في السودان؛ "الواجب"، والذي يمكن ترجمته بشكل غير دقيق إلى "الواجب الاجتماعي". وفي هذا السياق، يرى أيوب أن سلوك والده تجاه أقاربه السودانيين وبلده هو تجسيد طبيعي لـ "كونه سودانياً" ذاته.

صورة جماعية في منزل حسن عبد الواحد، من اليسار إلى اليمين، يوسف محمد زين، هارون الصافي، أيوب حسن، حسن عبد الواحد، سماح فوزي، ورؤى إسماعيل
نصيحة العم حسن للسودانيين
أنهيت مقابلتي مع العم حسن بسؤاله عن نصيحة يقدمها للشعب السوداني في هذه الأوقات الصعبة، حيث نجد أنفسنا مبعثرين في جميع أنحاء العالم ونواجه صراعاً، حول كيفية الحفاظ على السمات والتقاليد السودانية الجميلة وتجسيدها، مثل التضامن، واللطف، والكرم. كانت نصيحته عملية ومليئة بالحكمة. قال إنه سيكون من الصعب طلب من شخص أن يغير من نفسه أو يتبنى سلوكاً جديداً على الفور، لكن إذا كان بإمكانه طلب شيء واحد من السودانيين في جميع أنحاء العالم، فهو "الحفاظ على التماسك الاجتماعي والروابط، ألّا يؤذي بعضهم بعضاً، أو يتآمروا ضد بعضهم، ألّا يلقوا بعضهم في السجون، أو يجروا بعضهم إلى المشاكل، بل المساعدة والحماية والاهتمام ببعضهم البعض".