حقوق الصور: سينيوس هَب
في ظهيرة يوم غائم في جوبا، كان الهواء مشبعاً بالرطوبة ورائحة المطر. بدا اليوم كأي يومٍ عادي، لكن داخل شرفة في مركز "سينيوس هب"، كانت إيقاعات مختلفة تنبعث من لوحات المفاتيح، فتُغيّر أجواء المكان. جلست 17 شابة تتراوح أعمارهن بين 18 و30 عاماً منحنِيات فوق شاشات مضيئة. لم يكنّ يتصفحن وسائل التواصل الاجتماعي، بل كنّ يبنين شبكات عصبية اصطناعية؛ أي أنهن كنّ يطوّرن خوارزميات للذكاء الاصطناعي (AI) مستوحاة بشكلٍ فضفاض من الدماغ البشري للتعرّف على الأنماط الخاصة بمشروعاتهن المختلفة.

المشاركات السبع عشرة في مركز سينيوس هب
إن تطوير برامج للذكاء الاصطناعي في بلدٍ لم تتجاوز فيه نسبة الوصول إلى الإنترنت 12.1% من السكان في عام 2024، قبل أن ترتفع إلى 15.7% في عام 2025، يبدو أقرب إلى فعل تحدٍّ منه إلى مجرد تقدّم تقني. ومع ذلك، فقد كان هذا هو واقع الدفعة الأولى من المعسكر التدريبي لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي للفتيات الشابات، الذي نظمته هيئة الاتصالات الوطنية عبر مبادرة بنات من أجل القيادة والتنمية الرقمية.
سعى هذا المشروع إلى ردم الفجوة بين الابتكار التقني المتقدم ومتطلبات البقاء والاحتياجات المحلية. وكان السؤال المحوري الذي انطلق منه بسيطاً: ما الأثر الحقيقي الذي يمكن أن تُحدثه مثل هذه المشاريع في جنوب السودان، وهو بلد يعاني من ضعف البنية التحتية؟ ومن هنّ النساء اللواتي سيتصدرن تصميم شبكات الأمان الرقمية للمستقبل؟ والأهم من ذلك، إذا فشلت هذه المشاريع، فهل سيبقى البلد مستهلكاً سلبياً للتكنولوجيا المصنعة في الغرب والتي غالباً ما لا تتناسب مع سياقاتنا المحلية؟
لايف لينك: خصوصية المرآة
بالنسبة للعديد من النساء في جنوب السودان، يُعد تشخيص سرطان الثدي على أنه حكم بالموت. وغالباً ما يُكتشف المرض في مراحله المتأخرة بسبب ضعف البنية التحتية الصحية. ووفقاً لتقرير الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) CanScreen5 لعام 2022، تم تسجيل 28 حالة سرطان لكل 100 ألف امرأة. ويزداد الوضع تعقيداً بسبب الوصمات الثقافية المرتبطة بالفحوصات الجسدية، إلى جانب النقص في عدد الطبيبات. فكثيراً ما يدفع احتمال الخضوع للفحص على يد طبيب رجل النساء إلى تجنب زيارة العيادات إلى أن يصبح المرض غير قابل للعلاج.

فريق لايف لينك: أغوت ألير قرنق، نيادينق كواني وار، وكاجوغو نانسي ووسوك.
لمعالجة الفجوة التي يخلقها الخجل والخوف من الفحص، طوّرت أغوت ألير قرنق، ونيادينق كواني وار، وكاجوغو نانسي ووسوك تطبيق "لايف لينك". ويُعد التطبيق أداة فحص مدعومة بالذكاء الاصطناعي ومتصلة بخدمات الإحالة الطبية المتخصصة، وليس أداة تشخيص طبي. وعلى عكس تطبيقات التواصل الرقمي البسيطة، يؤدي الذكاء الاصطناعي هنا مهمة محددة تتمثل في تحليل عوامل الخطر وتقييمها.
وقالت قرنق، وهي طالبة مستقبلية في العلوم السياسية وتحليل البيانات: "إذا حدد الذكاء الاصطناعي عوامل خطر مرتفعة، فإن المرأة تستطيع أن تهيئ نفسها نفسياً". لكن هذه التهيئة تتجاوز الجانب النفسي لتلامس مسألة الحساسية الجندرية المرتبطة بالفحص الجسدي. وأضافت موضحةً: "عندما تصل إلى المستشفى تكون قد عرفت وضعها مسبقاً. ولن تعود خائفة من الطبيب الرجل لأنها تذهب للحصول على تأكيد، لا لمواجهة مفاجأة."
وأكد دوت ماجاك، الرئيس التنفيذي لشركة جونوبيا هوست المحدودة، وأحد أبرز الفاعلين في منظومة التكنولوجيا بجوبا، والشريك الرسمي لـ OpenAI في جنوب السودان، والمعروف أيضاً بتطبيق النقل التشاركي"شيلو أنا"، أن هذا الطرح بالغ الأهمية وقد يمثل تحولاً حقيقياً في قطاع الصحة. لكنه شدد على ضرورة النظر إلى التطبيق باعتباره أداة فحص أولي فقط تشجع النساء على طلب التقييم الطبي السريري. وقال ماجاك: "إن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المجال الصحي يتطلب إشرافاً بشرياً مكثفاً. ويجب التعامل معه حصراً كأداة فحص تشجع النساء على الحصول على تأكيد سريري من المختصين."
الزراعة الذكية في بيئة تعاني من ضعف الاتصال
إذا كان سرطان الثدي يمثل أزمة شخصية وصحية، فإن الزراعة في جنوب السودان تمثل عملاقاً مهملاً. فالدولة تمتلك نحو 13.5 مليون هكتار من الأراضي الخصبة، ومع ذلك ما تزال تعتمد على استيراد الغذاء من الدول المجاورة، وعلى رأسها أوغندا.

فريق مايز-سينس: أتيت مالوال ماجوك، وسوزان أدوت ماريال، وزينا فاوستينو.
طوّرت أتِيت مالوال وفريقها مشروع مايز-سينس لتصنيف أمراض الذرة والتنبؤ بالأنماط الجوية. لكن التحدي التقني الذي واجه الفريق كان هائلاً: كيف يمكن نقل أداة ذكاء اصطناعي قادرة على التفكير والتعلم واتخاذ القرارات، وهي عمليات تعتمد عادة على اتصال إنترنت عالي السرعة وخدمات الحوسبة السحابية، إلى مزارع لا يملك اتصالاً بالإنترنت، بل وفي كثير من الأحيان لا يمتلك حتى هاتفاً ذكياً؟
وأوضحت سوزان أدوت، خريجة علوم الحاسوب من جامعة جوبا، الحل الذي توصل إليه الفريق قائلة: "نعمل على تطوير كاشف ذكاء اصطناعي يعمل دون اتصال بالإنترنت. فمن خلال تمكين النموذج من تنفيذ عمليات اتخاذ القرار محلياً على الهاتف، لن يحتاج المزارع إلى اتصال دائم بالشبكة."
ورغم أن الفكرة تبدو منطقية من الناحية التقنية، قدّم أتيم دوت، وهو مهندس متعدد التخصصات في مجال الاستدامة من مؤسسة يونيبود جنوب السودان، الشريك الابتكاري لجامعة جوبا، تقييماً أكثر واقعية للقطاع. وقال: "إن تنفيذ هذه المشاريع ممكن، لكنه يواجه عدداً من التحديات. فضعف الإنترنت والبنية التحتية ما زالا يشكلان عائقين رئيسيين أمام تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي في الزراعة."
وأشار إلى الصعوبات القائمة، بينما رأى ماجاك أن الحل المقترح من سوزان قابل للتطبيق بدرجة كبيرة، لكنه أضاف بُعداً من الصرامة التقنية إلى النقاش. وأوضح قائلاً: "إن تطوير كاشف يعمل دون اتصال بالإنترنت يتطلب نموذجاً خفيفاً مدرباً على آلاف الصور المحلية ذات الصلة بأمراض المحاصيل، كما يجب اختباره في ظروف الإضاءة القاسية والمتغيرة في جوبا."

الشابات المشاركات خلال مرحلة توليد الأفكار وتطوير مشاريعهن.
التنبؤ لا التصنيف
في قطاع التعليم، الوضع مقلق؛ إذ يوجد أكثر من 2.8 مليون طفل خارج المدارس، أي ما يزيد على 70% من الأطفال في سن الدراسة. كما تسجل جنوب السودان واحدة من أعلى معدلات التسرب المدرسي في العالم. وتقليدياً، كانت وزارة التعليم تتابع هذه الظاهرة بطريقة تفاعلية متأخرة، من خلال إحصاء عدد الطلاب الذين لم يحضروا الامتحانات النهائية. ولمعالجة هذه المشكلة، طورت نياكوار بول، وأبوك ماري، ولوسيا جورج تطبيق "نيكسورا"، وهو تطبيق يستخدم التحليلات التنبؤية لرصد المؤشرات التحذيرية المبكرة، مثل تراجع معدلات الحضور أو ظهور مؤشرات على الصدمات الأسرية، قبل أن يترك الطفل المدرسة. وهنا يكمن الفرق بين الذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات التقليدية؛ فهو لا يقتصر على تخزين المعلومات، بل يتعلم من الأنماط والاتجاهات ليستخلص توقعات ويدعم اتخاذ القرار.
وأوضحت بول، وهي إحدى عضوات الفريق وطالبة في علوم المختبرات الطبية بجامعة جوبا، قائلة: "يعمل نظامنا كآلية إنذار مبكر. يبحث الذكاء الاصطناعي عن مؤشرات اجتماعية واقتصادية، مثل الصدمات الأسرية أو دلائل العنف الجنسي والزواج المبكر، اعتماداً على البيانات التي توفرها المدرسة ضمن الملف الشخصي للطالب."
غير أن هذا النوع من الأنظمة يعتمد على معلومات شديدة الحساسية، تتعلق بتفاصيل غالباً ما تبقى محصورة داخل نطاق الأسرة ولا يتم الإفصاح عنها. ولهذا حذر دوت ماجاك من أن مشروع "نيكسورا"، نظراً لتعامله مع بيانات مرتبطة بالصدمات والتجارب الشخصية، يجب أن يلتزم بضمانات صارمة لا يمكن التهاون فيها، بما في ذلك الحصول على موافقة صريحة من المعنيين ووجود طبقة مراجعة بشرية يقوم بها مختصون مدربون. وأفضى هذا النقاش إلى استنتاج مهم ضمن إطار البرنامج التدريبي. فقد أشار رامكل غابرييل، المدرب التقني في مبادرة BiLLDD، إلى أن: "الهدف ليس مجرد التنبؤ بتسرب الطالب من المدرسة، بل استخدام الذكاء الاصطناعي لفهم أسباب ذلك التسرب، حتى تتمكن المدرسة من تقديم الدعم المناسب في الوقت المناسب."
باثواي للذكاء الاصطناعي: مهارات لاقتصاد جديد
أما بالنسبة لأولئك الذين تمكنوا من تجاوز التحديات التعليمية في جنوب السودان، فإن دخول سوق العمل لا يكون غالباً مساراً واضحاً أو مستقيماً. وتبدأ المشكلة من فجوة ثقافية عميقة، حيث تمارس الأسر ضغوطاً على أبنائها لاختيار مهن معينة بغض النظر عن ميولهم أو قدراتهم. وأوضحت غريس أندرسون، البالغة من العمر 18 عاماً وعضوة فريق تطوير باثواي للذكاء الاصطناعي ومرشحة للالتحاق بالجامعة، قائلة: "ترغب الأسر في أن يصبح أبناؤها مهندسي نفط أو أطباء أو أصحاب مهن تبدو مرموقة اجتماعياً، حتى وإن كانت لا تتناسب مع مهاراتهم الحقيقية." ومن هذا المنطلق، رأت أندرسون وزميلتاها أيين جوك أوان وأكول جوزيف أن عدم التوافق بين مهارات الأفراد واختياراتهم المهنية يمثل أحد العوامل الرئيسية التي تسهم في البطالة وهجرة الكفاءات.

فريق باثواي للذكاء الاصطناعي: أيين جوك أوان، غريس أندرسون، وأكول جوزيف.
لكن أتيم دوت قدم قراءة أكثر واقعية لهذه الفرضية، مشيراً إلى ضرورة الفصل بين سوء الاختيارات المهنية وبين ظاهرتي البطالة وهجرة العقول. وقال: "سمعتكم تتحدثون عن الاختيارات المهنية الخاطئة للطلاب في جنوب السودان باعتبارها سبباً للبطالة وهجرة الكفاءات، لكن هذا التفسير ليس كافياً. فلا بد من وجود أسباب أعمق وأكثر منهجية تؤدي إلى هاتين الظاهرتين. وينبغي التعامل مع مسألة الاختيارات المهنية بشكل منفصل عن البطالة وهجرة العقول."
وبدلاً من ذلك، رأى دوت أن القوة الحقيقية لمشروع باثواي للذكاء الاصطناعي قد تكمن في المساعدة على خفض معدلات البطالة المحلية، من خلال توجيه الخريجين نحو مسارات مهنية تتوافق مع الوظائف والفرص المتاحة فعلياً داخل جنوب السودان. ولردم فجوة الأمية الرقمية، يطمح الفريق إلى تصميم خاصية للرسائل الصوتية بلغتي العربية الجوباوية والدينكا. وشرحت أندرسون الفكرة قائلة: "سيتمكن المستخدم من إرسال رسالة صوتية فقط، وسيتولى الذكاء الاصطناعي فهم محتواها وتحليلها ثم تقديم التوجيه أو النتيجة المناسبة."
المختبر "المحمي"
لإخراج كل هذه النماذج الأولية إلى النور، عمل المنظمون عمدًا على إنشاء مساحة مصغّرة لهؤلاء الشابات بعيدًا عن تحديات البنية التحتية. وأوضحت بوني هنري، منسقة المشروع، أنهم اضطروا إلى تصميم بيئة محمية تتيح التعلّم، مضيفة: "حاولنا إنشاء مساحة لا تكون فيها تلك القيود واقعًا من خلال توفير أجهزة حاسوب محمولة وخدمة إنترنت مخصصة عبر شركائنا. لم نرِد لهؤلاء النساء أن ينظرن إلى أنفسهن ويقلن: يا إلهي، نحن محرومات إلى هذا الحد."

أجواء الصف الدراسي مع المدربين رامكيل غابرييل وكليف ليفاي
علاوة على ذلك، أشار المدرب غابرييل إلى أن المشاركات أتقنّ مفاهيم بايثون (Python) وستريمليت (Streamlit) التي يستغرق طالب علوم الحاسوب عادةً عامين لتعلّمها، بينما تمكنّ من استيعابها خلال ستة أسابيع فقط. وأضاف: "تعلم البرمجة ليس رحلة سهلة. لكن عندما تزيل العوائق المرتبطة بالبنية التحتية، تثبت هؤلاء النساء أن الموهبة موجودة بالفعل، لأنها مدفوعة بهدف واضح."

إحدى المشاركات منهمكة في العمل على شيفرتها البرمجية
ما بعد المطبخ
مع اختتام المعسكر التدريبي في 22 أبريل/نيسان 2026، انتقل النقاش من البرمجة إلى الثقافة المجتمعية. فالمرحلة الثانية من التحدي تتمثل الآن في انتزاع مكان بين المبتكرين الذكور في جنوب السودان، حيث لا تزال صورة نمطية تُعرف باسم "مرا-ساكيت" (مجرد امرأة) حاضرة في الأذهان؛ وهي الفكرة التي تحصر مساهمة المرأة في نطاق المنزل. وقالت أغوت: "في معظم الحالات، يعتقد الناس أن عمل المرأة في مجال التكنولوجيا أمر غير مناسب." وأيدت هذا الرأي أكول جوزيف، وهي مطورة ضمن المجموعة، مضيفة: "أكبر مشكلة ليست الصور النمطية التي تُفرض على النساء، بل إيمان النساء أنفسهن بهذه الصور النمطية المكتوبة ضدهن."
هذه المجموعة ليست خط النهاية، بل بداية مرحلة تجريبية. وقد أبدت هيئة NCA وشركاؤها استعدادهم لمواصلة دعم هذه الفرق أثناء انتقالها إلى اختبار تطبيقاتها داخل المجتمعات المحلية. وفي ظل وجود سوق يعاني من نقص في الكفاءات النسائية، حيث تسعى المنظمات غير الحكومية وشركات التكنولوجيا بنشاط إلى توظيف متخصصات في تقنية المعلومات، تتغير الرواية تدريجيًا، فالنساء لم يعدن مجرد مستهلكات للتكنولوجيا العالمية، بل أصبحن مهندسات لمستقبل رقمي مرن وواعٍ بالسياق المحلي في جنوب السودان.