هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

لييست آثار القصف والانفجارات وحدها ما تترك بصماتها على الإنسان لتذكره بالحرب، فهناك أيضاً جراح نفسية وعاطفية ترافقه، وتتجلى أحياناً بألم أعمق من آثار الدمار المادي. فقد امتدت آثار حرب أبريل في السودان إلى أكثر البُنى حميمية في المجتمع: "الأسرة". ففي خضم النزوح، وانهيار الاقتصاد، وتبدد الإحساس بالأمان، لم تعد العلاقات الزوجية محصّنة كما كانت، بل أصبحت عرضة للتصدع تحت وطأة الخوف والقلق وتغير الظروف المعيشية.


يحاول هذا المقال تفكيك أثر الحرب على العلاقات الزوجية في السودان من خلال مقاربة اجتماعية، مدعومة بإفادات مختصين نفسيين وباحثات نسويات، وشهادات نساء ورجال عاشوا التجربة، مع وضع الحالة السودانية في سياق مقارن مع تجارب نزاعات أخرى مثل سوريا.


الأسرة والحرب


تنظر علوم الاجتماع إلى الأسرة بوصفها الخلية الأولى في المجتمع، وأحد أهم المؤشرات على تماسكه أو هشاشته. فاستقرار العلاقات الزوجية لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي والاقتصادي المحيط، بل يتأثر بدرجة الأمن، ونمط العيش، ومستوى الثقة بالمستقبل. وفي المجتمعات الخارجة من النزاعات، غالباً ما تكون الأسرة أولى البُنى التي تتعرض للاهتزاز، لأنها تقع عند تقاطع الضغوط الاقتصادية والنفسية والأمنية.


في هذا السياق، يقول موسى إدريس، المتخصص في علم النفس والباحث في قضايا السلام، إن التأثيرات النفسية للحرب على العلاقات الاجتماعية عميقة للغاية، ويقف خلفها عاملان أساسيان هما القلق والخوف. فالشعور الدائم بالخطر يجعل الأفراد أكثر انعزالاً وأقل قدرة على التواصل الإيجابي مع الآخرين، ويؤدي إلى تآكل الثقة داخل المجتمع، بما في ذلك داخل الأسرة نفسها. ويضيف أن هذه الحالة تجعل بناء علاقات اجتماعية مستقرة خلال فترات الحرب أمراً بالغ الصعوبة، إذ يصبح الأفراد أكثر حساسية للتوترات اليومية، ما يؤدي أحياناً إلى تضخم الخلافات الصغيرة داخل العلاقات الزوجية.


تفكك الحروب الأسر النواة الاولى للمجتمع. المصدر: مجتمع وفكر


الحرب في السودان: سجل طويل من النزاعات


الحرب عموماً هي إدارة للسياسة بطرق غير دبلوماسية أو غير سلمية، حين تفشل الأدوات المدنية في احتواء الصراع، لتُدار الخلافات عبر السلاح بدلاً من طاولات التفاوض والحوار. حينها يصبح العنف اللغة السائدة، وتتحول المجتمعات إلى ساحات مفتوحة للخسارة: خسارة الأرواح، وتآكل العمران، وانهيار ما راكمه الإنسان عبر أجيال طويلة من البناء والاستقرار. وتاريخ البشرية نفسه يكاد يكون مرآة لتاريخ الصراع؛ فمنذ البدايات الأولى للعلاقات الإنسانية، ظل العنف حاضراً بوصفه أحد أكثر التعبيرات قسوة عن التنافس على السلطة والموارد.


السياق السوداني


عانى السودان، طوال تاريخه ما بعد الاستقلال، من حروب أهلية طويلة، إذ لم يغب صوت البندقية سوى لعشر سنوات فقط من أصل سبعين عاماً عاشها كدولة مستقلة. وكانت أطول تلك الحروب هي الحرب في جنوب السودان مع الحركة الشعبية، التي اندلعت عام 1983، وانتهت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) عام 2005، بعد أكثر من 21 عاماً من القتال. ومنحت الاتفاقية جنوب السودان حق تقرير المصير، الذي تحقق في التاسع من يوليو 2011، ليصبح دولة مستقلة وعضواً رقم 193 في الأمم المتحدة.


غير أن السودان سرعان ما عاد مجدداً إلى مربع الحرب، مع اندلاع النزاعات المسلحة في جنوب كردفان والنيل الأزرق، واحتدام الصراع في دارفور، ولم تهدأ وتيرة العنف نسبياً إلا مع قيام ثورة ديسمبر 2018، وتوقيع اتفاقية جوبا للسلام عام 2020.


آثار الحرب على الحياة اليومية للأسر


حين اندلعت الحرب الحالية في 15 أبريل 2023، وجدت مجتمعات هشة لم تتعافَ بعد من آثار النزاعات السابقة، فقد أدت الحرب إلى نزوح ملايين السكان، وانهيار شبه كامل للاقتصاد، وتدهور حاد في الخدمات الأساسية، بما في ذلك الصحة والتعليم. وبحسب بيان لمنظمة الصحة العالمية نُشر في 9 يناير 2026، فإن أكثر من 20 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات صحية، بينما يعاني 21 مليوناً من نقص حاد في الغذاء، ويُقدَّر أن 33.7 مليون شخص سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام نفسه. كما تضرر النظام الصحي بشدة، إذ أصبح أكثر من 37% من المرافق الصحية خارج الخدمة، وسُجل منذ اندلاع النزاع أكثر من 201 هجوم على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن 1,858 حالة وفاة و490 إصابة.


أما في قطاع التعليم، فقد حُرم أكثر من 8 ملايين طفل من حقهم في التعليم، ما يهدد بضياع جيل كامل. وتشير بيانات اليونيسف إلى أن 5 ملايين طفل اضطروا للنزوح، وانقطعت صلتهم بالمدارس والمعلمين، فيما أُغلقت 6,400 مدرسة بالكامل، وتُستخدم 11% من المدارس كملاجئ للنازحين، وأصبحت مدرسة واحدة من كل ثلاث غير صالحة للاستخدام بسبب الدمار.

حال المدارس في زمن الحرب. المصدر: BBC


أفضت هذه الأوضاع إلى موجات نزوح وفرار غير مسبوقة، إذ يُقدَّر عدد النازحين بنحو 13.6 مليون شخص، منهم 8.6 مليون نازح داخلياً، و3.8 مليون لاجئ في دول الجوار مثل تشاد، وجنوب السودان، ومصر، وأوغندا، وإثيوبيا.


هذا السياق البنيوي للحرب، وكل هذه الآثار مجتمعة، خلقت بيئة غير مواتية للاستقرار الأسري، فغياب الدولة، وتعطل المؤسسات، وفقدان سبل كسب العيش، أجبرت الأسر على مواجهة مصيرها منفردة، بلا شبكات حماية كافية. ومع انتقال الحرب إلى الأحياء السكنية، تحول المنزل الذي يُفترض أن يكون مساحة أمان وسط هذه الفوضى إلى فضاء هش ومهدد، أو إلى مكان مهجور.


في هذا الشأن، يوضح موسى إدريس أن الصراع المسلح الطويل في السودان خلّف آثاراً نفسية تراكمية، تفاقمت مع الحرب الحالية. ويقول إن هذه الآثار لم تكن واضحة في بدايات الحرب كما هي الآن، لكنها حين وصلت إلى مؤسسة الأسرة والعلاقات الزوجية، ضاعفت من التوترات القائمة أصلاً، خاصة في ظل الفقر، وفقدان الوظائف، وانقطاع الاتصالات، وانعدام الأمن. ونتيجة لذلك، أصبح الأزواج أقل قدرة على التفاهم والتكيف مع الواقع الجديد، ما يؤدي إلى تفاقم الخلافات الصغيرة وتحولها تدريجياً إلى طلاق.


تغيير الأدوار داخل الأسرة


الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة ليست معطىً ثابتاً عبر الزمن، فهي جزء من منظومة اجتماعية تتغير مع تطور المجتمعات وتحولاتها الاقتصادية والثقافية. ففي أوقات الأزمات الطويلة مثل الحروب، تتغير الأدوار التقليدية التي اعتاد عليها أفراد الأسرة، ويُعاد توزيع المسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية بطرق جديدة. هنا يمكن استدعاء ما طرحته الباحثة النسوية سريلاتا باتليوالا في كتابها "ظاهر ومحجوب وخفي"، حيث تقدم تعريفاً بسيطاً ومباشراً لمفهوم السلطة. فبحسب باتليوالا، تتمثل السلطة في قدرة الأفراد أو المجموعات على تحديد: من يحوز ماذا؟ ومن يفعل ماذا؟ ومن يقرر بشأن ماذا؟ ومن يضع جدول الأعمال؟


ومن خلال هذه الأبعاد الأربعة، تذهب المؤلفة أبعد من الفهم التقليدي للسلطة باعتبارها سيطرة على الموارد المادية أو على المجال العام، لتفحص كذلك كيف تؤثر علاقات هذه العوامل في توزيع الفرص والعمل، ليس فقط في العمل المنتج المدفوع الأجر، بل أيضاً في مجالات إعادة الإنتاج الاجتماعي، مثل العمل المنزلي، ورعاية الأطفال، والطهي، والبحث عن الماء، وغيرها من الأنشطة اليومية التي تقوم عليها حياة الأسر.


ومن خلال البحث والعمل الميداني المرتبط بإعداد هذا المقال، لاحظنا أن كثيراً من حالات النزوح واللجوء التي فرضتها الحرب أدت إلى تحولات ملموسة في هذه الأدوار. فقد أصبحت نساء كثيرات يتحملن أدواراً اقتصادية أكبر مما كان عليه الحال قبل الحرب. وهذه الأدوار مرتبطة بشكل وثيق بسؤال السلطة داخل الأسرة: من يعمل؟ من يدير الموارد؟ ومن يتخذ القرار في كيفية استخدامها؟


فبهذا المعنى، يمكن فهم التحول في موازين الإعالة الاقتصادية داخل الأسرة بوصفه تحولاً في بنية السلطة نفسها، خصوصاَ ما يتعلق بسلطة العمل وتنظيمه. غير أن هذه التحولات لا تجري دائماً بسلاسة، إذ قد تخلق في بعض الأحيان توترات جديدة داخل العلاقات الزوجية أو داخل الأسرة عموماً، خاصة عندما تتقاطع مع الضغوط النفسية التي تفرضها الحرب، وفقدان الاستقرار، والشعور بالعجز الذي قد يصيب بعض الرجال نتيجة فقدان أدوارهم الاقتصادية التقليدية.


تجربة سعاد حسني


توضح تجربة سعاد حسني (اسم مستعار)، وهي لاجئة سودانية في مصر وأم لثلاثة أطفال، كيف يمكن لهذه التحولات أن تؤثر في الحياة الزوجية. فقد كانت سعاد تعمل معلمة في روضة أطفال بأم درمان قبل الحرب، وكانت تساهم في مصروفات المنزل، بينما كان زوجها يعمل في الشرطة قبل أن ينتقل لاحقاً إلى العمل طباخاً. لكن بعد وصول الأسرة إلى مصر، تغيرت الأدوار تدريجياً، إذ أصبحت سعاد المعيل الرئيسي للأسرة. وفي الوقت نفسه، بدأ زوجها يرسل جزءاً كبيراً من دخله إلى أسرته في السودان. ومع انتقال شقيقات سعاد الثلاث للإقامة معهما في المنزل، بدأت الخلافات اليومية تتصاعد بين الزوجين، إلى أن انتهت العلاقة في النهاية بالانفصال والطلاق.


الحرب والنزوح تزعزع استقرار الاسر. المصدر: UNICEF 


الطلاق في زمن الحرب


تشير إفادات من منظمات مجتمع مدني سودانية إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الطلاق خلال سنوات الحرب. ورغم صعوبة الحصول على إحصاءات دقيقة بسبب تعطل المؤسسات والنزوح، إلا أن الاتجاه العام يعكس تصاعداً واضحاً في التفكك الأسري، لا سيما في المدن المتأثرة مباشرة بالحرب ومناطق النزوح واللجوء. وأفادت منظمة لبنة للتنمية ودراسات المجتمع بارتفاع حالات الطلاق في السودان خلال عام 2023 إلى نحو 96 ألف حالة، بزيادة بلغت 36% مقارنة بالأعوام السابقة. وذكرت المنظمة أن السودان يشهد 11 حالة طلاق كل ساعة، وأكثر من 8 آلاف حالة شهرياً. وتعزو المنظمة هذه الظاهرة إلى تداخل عدة عوامل، أبرزها الضغوط الاقتصادية، والعنف الأسري، وتدهور الصحة النفسية، وتغير أدوار النوع الاجتماعي، إضافة إلى النزوح الذي يدفع عدة أسر لمشاركة السكن نفسه.


السكن المشترك وفقدان الخصوصية


من بين العوامل التي برزت خلال الحرب أيضاً مسألة السكن المشترك. فمع اتساع رقعة المعارك، اضطرت أعداد كبيرة من الأسر إلى مغادرة منازلها والنزوح إلى مناطق تُعد أكثر أماناً نسبياً. وفي هذا الواقع الجديد، وجد كثير من النازحين أنفسهم أمام خيارين محدودين: إما أن تكون لديهم القدرة المادية على استئجار منزل جديد في المدن التي نزحوا إليها، وهو أمر لم يكن متاحاً لكثيرين بسبب ارتفاع الإيجارات وفقدان مصادر الدخل، أو اللجوء إلى بيوت الأقارب في القرى والأرياف أو في المدن الأقل تأثراً بالحرب.


ونتيجة لذلك، تحولت منازل كثيرة إلى مساكن مشتركة تضم أكثر من أسرة في الوقت نفسه، حيث انتقلت عائلات كاملة للعيش مع أسرهم الكبيرة، مثل منزل الوالدين أو الإخوة أو الأقارب. وفي بعض الحالات، أصبح المنزل الواحد يضم ثلاث أو أربع أسر تشترك في المساحات نفسها والمرافق المحدودة. هذا النمط من السكن، رغم أنه وفر شكلاً من أشكال التضامن العائلي في ظروف الحرب، إلا أنه خلق أيضاً ضغوطاً إضافية داخل الحياة اليومية للأسر، خاصة بالنسبة للأزواج الذين فقدوا خصوصيتهم المعتادة، وأصبحوا يعيشون ضمن شبكة عائلية واسعة تتداخل فيها تفاصيل الحياة اليومية.


وتُظهر تجربة مريم مثالاً واضحاً على ذلك. تقول مريم سليمان (اسم مستعار) إنها نزحت مع زوجها من منزلهم في الحاج يوسف خلال الشهر الأول للحرب إلى منزل أهل زوجها في مدينة الدويم بولاية النيل الأبيض. ومع ازدحام المنزل بأكثر من ثلاث أسر، تصاعدت الخلافات بينها وبين زوجها، خاصة بعد مطالبتها بالانتقال إلى منزل منفصل. وانتهى الأمر بنقاشات حادة وخصام طويل قاد في النهاية إلى الطلاق، وهو خيار لم يكن مطروحاً قبل الحرب، حسب تعبيرها.


اضطرار بعض الاسر للعيش كنازحين في المدارس أدى الى انهيار بعض العلاقات. المصدر: Independent Arabia 


ترى الباحثة والنسوية رحمة جابر أن هناك فرقاً كبيراً بين السكن المنفرد للزوجين والسكن مع أسرتهما الكبيرة، سواء كانوا أهل الزوجة أو أهل الزوج، لأن ذلك يتعلق بالخصوصية. وفي السودان، ليست هناك خصوصية كافية، إذ إن التداخل بين الناس كبير حتى في أصغر التفاصيل الزوجية، ما يصعب الأمر على الأزواج وينتزع منهم خصوصيتهم. وأضافت أن الأمر بالنسبة لها يتعلق بالخصوصية، وفي منزل العائلة يفقدها الأزواج، وهذا ليس بسبب أن أسرهم لا يراعون الخصوصية، بل لأن هذه طبيعة المجتمع، لذلك تصبح المعيشة صعبة بالنسبة لهم.


وأشارت إلى أن السودانيين يحبون الحديث، وهذا ليس مريحاً لاستقرار العلاقات، وأن النساء غالباً ما يطالبن بمنازل منفصلة، لأن ذلك ببساطة يمكّنهن من الحصول على راحتهن، ويساعدهن أيضاً على التحكم بالمنزل بشكل أفضل مقارنة بالعيش مع الأسرة الكبيرة. كما أن السكن المشترك يفرض عليهن التزامات إضافية، حتى في أمور قد تبدو بسيطة مثل الطهي، إذ يصبح عملاً يومياً إلا في حالات المرض. لذلك تميل النساء إلى العيش في منازل منفصلة لمثل هذه التفاصيل.


النزوح واللجوء: ضغوط إضافية على العلاقات


في حالات النزوح الطويل أو اللجوء خارج البلاد، تتضاعف الضغوط على العلاقات الأسرية.


مرافي ميرغني (اسم مستعار) خرجت من السودان وجاءت إلى جنوب السودان، ومنها إلى أوغندا، التي وصلت إليها في أكتوبر 2024، برفقة زوجها وطفلين، بينما تركت أربعة أطفال خلفها، وهم أبناء زوجها الأول، إذ تركتهم مع جدتهم في السودان بمدينة كوستي.


وتروي مرافي قصتها، فتقول: كنت أعمل في السودان كطباخة بمطار الخرطوم لمدة تراوحت بين أربع إلى خمس سنوات، وكنت أصرف على المنزل، كما أن المنزل الذي كنا نسكن فيه كان ملكاً لي. عندما وصلنا إلى أوغندا، كنت في البداية مريضة، كما أن زوجي لم يكن يعمل. تلقينا دعماً بسيطاً من إحدى المنظمات في البداية، وقد ساعدنا ذلك إلى حد ما. وبعد أن وصلت إلى مرحلة من التعافي، بدأت أعمل في صناعة البخور من داخل المعسكر، وأرسله ليباع في كمبالا. ولاحقاً بدأت أفكر في جلب أطفالي الأربعة من السودان، إلا أن زوجي رفض هذا الأمر، وقال إنه لا يعمل، وبالتالي لن يستطيع تحمل تكاليف إضافية."


فتحت معه النقاش مرة ثانية، لكنه رفض أيضاً. وفي يناير 2025، قامت بإحضار الأطفال، وفور وصولهم أدخلتهم المدرسة. في البداية كانوا يقيمون في سكن خاص بالمدرسة، لكن خلال الإجازة، وعندما أحضرتهم للإقامة معها، زادت المشاكل بينها وبين زوجها، الذي كان رافضاً للأمر منذ البداية.


وتختتم: "تصاعدت التوترات والنقاشات بسبب الأطفال، إلى أن خيّرني بينه وبينهم، فاخترت أطفالي، ووقع الطلاق قبل عدة أشهر."


تكشف تجربة مرافي جانباً من التحولات التي فرضتها الحرب على الحياة الأسرية، حيث أصبحت النساء في كثير من حالات اللجوء يتحملن مسؤوليات اقتصادية أكبر.


النساء المعيلات في زمن الحرب


أثرت الحرب على الإعالة، وغيّرت أدوار الرعاية والإنفاق داخل الأسرة، خاصة في أماكن النزوح واللجوء. وأصبحت النساء هن المعيلات، لا سيما أن أغلب النازحين واللاجئين من النساء والأطفال، لأن الرجال إما انخرطوا في الصفوف والتشكيلات العسكرية، أو ظلوا ماكثين في مناطقهم لحراسة منازلهم.


لذلك أصبحت النساء في أماكن اللجوء الجديدة هن المعيلات، وتحملن أدواراً كثيرة. فإلى جانب أعباء الإعالة والتربية والرعاية، تحملن أيضاً أدواراً اقتصادية جديدة. فالنساء اللواتي كن يعملن فقدن أعمالهن، واضطررن للعمل في مهن وأشغال جديدة لا ترتبط بوظائفهن القديمة. وحتى اللاتي لم يكن يعملن أصبحن الآن مضطرات للعمل، ولو في أنشطة وأعمال هامشية صغيرة، بغرض توفير الاحتياجات الأساسية أثناء النزوح، حتى يستطعن المحافظة على تماسك الأسرة.


وأشارت خالدة إلى أن هذا يأتي بالإضافة إلى أدوار رعاية الأطفال وتعليمهم، ورعاية كبار السن والمرضى، فهذه جميعها أصبحت تقوم بها النساء إلى جانب أدوارهن الاقتصادية الجديدة. وتضيف أن هذه الأدوار تثبت أن النساء بإمكانهن تقديم مساهمات فعالة في الاقتصاد والحياة الاقتصادية بشكل عام.


وترى خالدة أن هذا يجب أن ينعكس بعد الحرب من خلال سياسات جديدة تضمن للنساء القدرة على القيام بهذه الأدوار الاقتصادية، وأن توفر لهن الدولة خدمات رعاية الأطفال، بما يسمح لهن بأداء أدوار إنتاجية، مثل سياسات إجازة الأمومة وتوفير أماكن حضانة في مواقع العمل، على أن تكون مدفوعة الأجر وتساهم الدولة في دعمها.


في المقابل، ترى رحمة جابر عكس ذلك، وتقول: لا أعتقد أن التحول إلى دور المعيل تم بشكل كامل بحيث أصبحت النساء وحدهن المعيلات. فهذا لم يحدث بصورة كاملة، إذ لطالما كانت النساء معيلات، ولديهن أدوار كبيرة ومختلفة في الإعالة، لكن الحرب جعلت هذا الدور أكثر ظهوراً. فعندما كان الرجال يعملون في وظائف الدولة، أوقفت الحرب هذه الوظائف، وأصبحوا جالسين في المنازل. ومع اختفاء الرجال من هذه الصورة، برزت صورة النساء المعيلات بشكل أوضح، أي أن الحرب جعلت هذا الدور أكثر بروزاً وملاحظة.


مقارنة بالحالة السورية


تقدم الحالة السورية مثالاً مقارناً مهماً، إذ أظهرت تقارير اجتماعية ارتفاع معدلات الطلاق خلال سنوات الحرب، لا سيما في الفترات الأولى للنزاع. ووفقاً لإحصاءات المكتب المركزي للإحصاء السوري لعام 2024، بلغت نسبة الطلاق 12.4%، بزيادة 11% عن عام 2021، مع تسجيل 46,827 حالة طلاق في عام 2022 مقابل 225,549 عقد زواج.


وتكشف البيانات أن دمشق تضم أعلى معدلات الطلاق بنسبة 33.9%، تليها منطقة ريف دمشق (30.9%)، ثم السويداء (30%)، والقنيطرة (29.9%)، واللاذقية (28.7%)، ودرعا (26.1%)، وطرطوس (23.3%)، وحمص (23.2%)، وحماة (22.4%)، وحلب (20.1%). واحتلت إدلب ودير الزور والحسكة والرقة المراتب الأخيرة في معدلات الطلاق.


ما بين حالتين: كيف تتشابه وبماذا تختلف


تتشابه الأسباب بين الحالتين السورية والسودانية، مثل الانهيار الاقتصادي، والنزوح، وفقدان المعيل، والصدمات النفسية. غير أن التجربة السورية أظهرت أيضاً تراجع الإقبال على الزواج، بعكس الحالة السودانية، حيث تزامن ارتفاع الطلاق مع زيادة في معدلات الزواج، إلى جانب تنامي ظاهرة زواج القاصرات في ظل غياب الدولة.


عدم الاستقرار يعصف بالاستقرار الاسري. المصدر: Hakini.net 


في مارس 2021، أصدرت السلطة القضائية في السودان إحصاءات كشفت عن وقوع 7 حالات طلاق في الساعة الواحدة، ليرتفع بذلك عدد الحالات في عام واحد إلى أكثر من 60 ألف حالة.


وفي مايو 2022، أشارت إحصاءات رسمية صادرة عن السلطة القضائية في السودان إلى أن الفترة من 2016 إلى 2020 شهدت تسجيل 270,876 حالة طلاق، توزعت كما يلي:

48,351 حالة في 2016،

55,478 حالة في 2017،

59,339 حالة في 2018،

60,202 حالة في 2019،

و47,506 حالة في 2020،

وذلك دون احتساب الحالات التي لم تصل إلى المحاكم.


وتقول رحمة جابر، الباحثة والنسوية، إنه بعد عودتها إلى السودان العام الماضي، لاحظت مدى تأثير الحرب على نسب الطلاق، إذ زادت، لكن زادت أيضاً نسب الزواج. وأضافت أنها سألت أحد المأذونين حول هذا الأمر.


وخلال الفترة التي قضتها في منطقتها، لاحظت أن هناك من انفصلوا، وآخرين لم ينفصلوا. وترى أنه في تلك الفترة كان من الأفضل لبعض النساء أن يكنّ مع أزواجهن، فبرغم احتمال تعرض الرجل للاعتقال أو القتل، إلا أن وجوده كان أكثر أماناً خلال رحلة النزوح الطويلة، في ظل الجوع وانعدام الأمن. ورغم أن مسؤولية توفير الطعام كانت تقع على النساء في تلك الفترة، إلا أنهن كنّ بحاجة إلى الرجال من ناحية الأمان والمرافقة أثناء التنقل.


ومن جهة أخرى، هناك نساء خرجن بمفردهن، وتمكنّ من النزوح وقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام حتى وصلن بأمان.


ماذا تعني هذه التحولات؟


تكشف هذه الشهادات والتحليلات أن الحرب لا تؤثر فقط في الاقتصاد أو الأمن، بل تمتد آثارها إلى البنية العميقة للعلاقات الاجتماعية. فالعلاقات الزوجية، التي يفترض أن تكون مصدرًا للاستقرار، تصبح أحيانًا ساحة تعكس الضغوط الاقتصادية والنفسية التي يعيشها المجتمع.


وفي الوقت نفسه، تحاول المجتمعات إيجاد طرق جديدة للتعامل مع هذه التحولات. فمنذ منتصف العام الماضي، بدأت تظهر أشكال جديدة من الاستجابة المجتمعية، حيث انتشرت على منصات مثل تيك توك ويوتيوب حسابات يقدم أصحابها محتوى حول العلاقات الزوجية وإدارة الخلافات الأسرية. ويقدم بعض هؤلاء أنفسهم بوصفهم "معالجي علاقات" أو مستشارين اجتماعيين، مستفيدين من الفراغ الذي تركته المؤسسات الاجتماعية التقليدية خلال سنوات الحرب.


ورغم أن هذه الظاهرة لا تزال في بداياتها، فإنها تعكس محاولة المجتمع إيجاد أدوات جديدة للتعامل مع التحولات التي فرضتها الحرب على الحياة الأسرية.


أما السودانيون في الشتات، ففي أوغندا التي لجأ إليها أكثر من 80 آلاف سوداني، تعمل العديد من المنظمات والمبادرات على تقديم الدعم في هذا السياق. وخلال شهر ديسمبر، عقدت أكثر من ثلاث ورش للسودانيين في مجال الدعم الاجتماعي، كما نظمت ندوة مع خبير العلاقات الزوجية مجدي عزالدين لتقديم الدعم.


خاتمة


تكشف الحرب في السودان عن علاقة معقدة بين النزاع وتفكك الأسرة، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والنفسية والاجتماعية لتقويض استقرار العلاقات الزوجية. وتُظهر المقارنة مع تجارب أخرى، مثل سوريا، أن الأسرة غالباً ما تكون من أولى ضحايا الحروب وأكثرها تأثراً. ومع ذلك، فإن هذه التحولات تطرح أيضاً أسئلة أعمق حول شكل الأسرة في المستقبل، وأدوار النساء والرجال داخلها، ودور الدولة في إعادة بناء شبكات الحماية الاجتماعية بعد الحرب. وكما ذُكر في مطلع هذا المقال، ليست آثار القصف والانفجارات وحدها ما تترك بصماتها على الإنسان، بل هناك أيضاً جراح نفسية وعاطفية ترافقه، وتتجلى أحياناً بألم أعمق من آثار الدمار المادي.


جوليوس الجيلي أحمد

جوليوس الجيلي صحفي مستقل وناشط مهتم بالحقوق الثقافية وبناء السلام، يسعى لاستخدام الصحافة كأداة لإعلاء صوت المجتمعات المهمّشة وتعزيز العدالة الثقافية والاجتماعية.