هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

تحذير من المحتوى وإخلاء مسؤولية: المحتوى التالي يتناول تجارب شخصية وحساسة . ما يرد من آراء يعبرعن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس بالضرورة مواقف منصة أندريا. ندعوكم لقراءته بما ترونه مناسبًا. يمكنكم الاطلاع على إشعارنا التحريري الكامل هنا.


نصٌ أكتبه بعد أن غادرت كردفان… وغادرت معها آخر ما تبقى من الوطن.


من أم درمان إلى الجذور: الرحيل الذي لم يكن في الحسبان


لم أتخيّل يوماً أن أغادر أم درمان مكرهةً، أُجرّ خلفي قلباً مثقوباً بوطنٍ ينزف. كانت المغادرة في يوليو 2023 كابوساً يبتلع الأمان، ويُطفئ كل ضوء في الطرقات. أجبرتني أصوات الرصاص على الرحيل، لكنني لم أكن أعلم أن الوجهة ليست مجرد مكان، بل عودة إلى الجذور، إلى كردفان. كان الرحيل مشياً على أشواك الذاكرة، كل كيلومتر يفصلني عن العاصمة كان يُبعدني عن حياةٍ كنت أعرفها، ويقرّبني من أخرى لم أتخيّلها. لكن شيئاً ما في الطريق تغيّر.


في البداية، كنت أظنها محطة مؤقتة، مأوى إلى حين. لكن شيئاً ما في تراب كردفان تغيّر فيّ. لم تكن وجهة، بل عودة إلى جذرٍ أعمق مما ظننت. كانت كردفان تنتظرني، لا لتُذكّرني بما خسرته، بل لتُخبرني بأن الأرض تعرف كيف تُرمم القلب.


طبيعة كردفان الخلابة. المصدر: فيسبوك


 من الذاكرة إلى العمل الجماعي


في كردفان، لم تكن الثقافة ترفاً، بل كانت أداة مقاومة وبناء. فمشروع "مكتبة كردفان المتنقلة" الذي أطلقته مجموعة من الشباب المتطوعين عام 2023، لم يكن مجرد نقل للكتب، بل كان جسراً بين الماضي والمستقبل. تقول منسقة المشروع سارة أحمد: "كنا ننقل الكتب بين القرى في عربة تجرها الحمير، وفجأة تحولت المكتبة إلى مكان للحكي والتعلم. الأطفال يتعلمون قراءة الحروف، والكبار يروون حكايات من الماضي. صارت الثقافة عملاً جماعياً يقاوم النسيان".


كردفان… السودان في مرآة صغيرة


في قلب الجغرافيا السودانية، ترقد كردفان بثبات الجبال وسكينة السهول. إقليم يُلقّب بـ"السودان المصغّر" ليس فقط بسبب موقعه، بل لكونه مرآة تعكس تنوّع البلاد كله: شمالها في الأبيض، جنوبها في كادوقلي، وغربها في الفولة.

كردفان لا تُشبه غيرها، ولا تُشبه نفسها مرتين. كردفان تحتضن تنوعاً غنياً من اللغات واللهجات المحلية، يعكس فسيفساء إثنية وثقافية مميزة. يبرز بوضوح في التنوع المناسبات الاجتماعية؛ ففي الأعراس مثلاً تتداخل أغاني البقارة مع إيقاعات النوبة، وتُقدَّم أطباق مثل "الكسرة" و"الملوخية" كرمز للتعايش والوحدة بين القبائل.


بارا… حين ترقص الذاكرة تحت أشجار الليمون


كانت أولى محطاتي بارا. طريقها مدهش، أشجارها تتمايل كأنها تستقبلني بأغانٍ قديمة. مررنا بطريق بارا، حيث تنتظرك الأشجار كأنها أصدقاء قدامى. وفجأة دقّت الذاكرة على باب القلب بأغنية عبد القادر سالم، المغنّي الشهير من كردفان، الذي وافته المنية في السادس عشر من ديسمبر عام 2025 :

"ليمون بارا ياخوانا شيلو الجلالة.. سبحان الله وتعالى.. والحاسد عينو مكّارة"

أغنية تعانق الأرض بإيقاع القدم، وتنهض معها الذاكرة، وتتمايل معها أجساد شباب يرقصون كأنهم يُحيون الطين والهواء. تراث كردفاني خالص، حيث للرقص طقس، وللأغنية هوية، وللأرض صوت.


مدخل مدينة بارا. المصدر: فيسبوك


الأبيض… حيث تتحدث الأرض بلغة التجارة والعطر


ثم كانت الأبيض مدينة لا تحتاج دليلًا لتفهمها، يكفي أن تتجوّل في سوقها تحت المطر، أو أن تقف لحظة أمام بسطة فول وأم دلال تتبادل المزاح مع زبائنها. حين دخلنا الأبيض، شعرت أنني أدلف إلى قلب ينبض لا يتوقف. الأبيض ليست فقط بورصة الصمغ العربي، ولا خطوط التجارة، ولا خط أنابيب النفط الممتد نحو بورتسودان كما يقال، إنها مدينة ترى فيها الحياة تُعاش بالحواس لا بالمنطق، بالتفاصيل لا بالإحصاءات.


سوق الأبيض لم يكن مجرد مركز بيع، بل فضاءً للتبادل الثقافي والاجتماعي. من الجبنة المضفّرة إلى صمغ الهشاب وعسل السدر، كل زاوية تحكي عن الأرض التي لا تخون العطاء. حتى مع الحرب، ظل السوق يحافظ على دوره الاقتصادي كما تشير تقارير FEWS NET. الأبيض مدينة تُداوي نفسها رغم الجراح. يقول أحمد، بائع الفول: "هذا السوق شاهد على كل شيء… على الحروب، على الأفراح، على القهوة التي نشربها معًا حتى ولو كنا غرباء".




سوق ودعكيفة الابيض. المصدر: فيسبوك


كردفان: من رحم المعاناة، يولد الإبداع


الهجرة والنزوح داخلياً وخارجياً لم يقطعا صلة الناس بكردفان، بل وسعاها. ففي مخيمات النزوح حول الأبيض، أنشأت النساء مجموعات لصنع "الجراكيز" والحلي التقليدية وبيعها عبر منصات إلكترونية. تقول أميمة، إحدى النازحات: "نحن لا نصنع منتجات فقط، بل نصنع ذاكرة. كل قطعة تحكي قصة امرأة من كردفان".


حتى المغتربون من أبناء كردفان في الخليج وأوروبا أسسوا "مبادرة صوت كردفان" التي توثق الأغاني والقصص التراثية وتدعم المشاريع الثقافية الصغيرة. يقول المهندس خالد، أحد مؤسسي المبادرة: "الهجرة جعلتنا ندرك قيمة تراثنا أكثر. نعمل الآن على أرشيف رقمي لكل تراث كردفان".


النهود… مدينة صنعت مجدها بلا قطار


في النهود، لم يكن الانطباع الأول واضحاً. مدينة تعجّ بالحركة، صاخبة أحياناً، غامضة أحياناً أخرى. لكن مع الوقت، بدأتُ أرى فيها ملامحاً تشبهنا كلنا: عناد المدن التي تصنع طريقها، ذاكرة تُحفر في القصص، وناس يعرفون كيف يحوّلون التعب إلى حكاية. مدينة لا تنتظر قاطرة، بل تصنع مسارها بقدميها. من حجارة "منقر منقر"، إلى بركة "نادي السلام"، ومن تحت ظل التبلدي إلى فم أسطورة "جد حمر"، كانت المدينة تحكي سيرتها بنفسها.


النهود مدينة تتنفس التراب وتحفظ الذاكرة. ومن أراد أن يعرفها فليقرأ كتاب الحاج سالم ابن "صقع الجمل" الذي كتب كما تُكتب صلوات الوفاء. يذكر الحاج عمر في كتابه "ذاكرة النهود" كيف أن سكان المدينة من خلفيات مختلفة كانوا يجتمعون في "نادي السلام" كل جمعة لقراءة الشعر ورواية الحكايات، وكيف أن هذه اللقاءات أصبحت منصة للتضامن أثناء الأزمات.


أعراس كردفان… حين يتجلى الفرح في طقس


إن أردت أن ترى الفرح متجسداً، فاحضر عرساً كردفانياً. هنا، العرس طقس جماعي: من الشيلة التي تزدان بحنان النساء، إلى الحناء التي تزخرف الأيادي بصلوات الجدّات، ومن القيدومة إلى الشوبش. ثم يأتي "القدح": عصيدة الجير بالبيض والنقود، تُهدى لأم العروس رمزاً للكرم. وأجمل المشاهد حين يُبنى "بيت الشقاق" من البروش والصوف والخشب، مزيناً بالسكسك والجلود والودع، ليكون مبيتاً للعروسين. عادة ما زالت حيّة عند قبائل البقارة والشنابلة ودار حامد والحمر. هو فرح لا تصطنعه الكاميرات، بل تصنعه الأرواح.


بيت العرس يصمم خصيصاً للعرسان. المصدر: فيسبوك


حياة البقارة… الرحلة التي تُشبه لوحة


البقارة لا يُعرفون كقبيلة بقدر ما يُعرفون كأسلوب حياة. رحلتهم الموسمية تبدأ بعد مطر "الرشاش"، وتمتد عائلات صغيرة كأنها لوحة واحدة. ريحة الدعاش في دنقسو، مجابهة العواصف بالخيم الصغيرة، مذاق ملاح الكاشيت بعد المطر، وشراب الباتيل وسط الهمبريب، كلها تفاصيل تُبقي الذاكرة حيّة. في الليل، يصدح الدوبيت، تُعزف الكيتة، ويُرتشف ماء المشيش البارد. يعود الرعاة حاملين معهم خيرات الغابات: إبليلة، جقجق، وبابنوس. يعودون كجسد واحد، لا تفرقهم المسافات، ولا تبدلهم الظروف.


في كردفان، تلعبا النساء و"الحكامات" دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية، حيث يستخدمن الأغانى كساحة لإيصال  رسائل السلام بين القبائل، وكيف أن "حلقات الذكر" تحت الأشجار أصبحت فضاءً للحوار بين الشباب. تذكر منظمة الفاو أن البقارة يمثلون نموذجاً حياً لإدارة الموارد بالمعرفة التقليدية. الزمن عندهم لا يُقاس بالساعات، بل بالمطر، وبمذاق الكاشيت، وبضوء النار في ليالي الرعي.


البقارة الرحل. المصدر: فيسبوك


الفولة… كما روتها حكايات الخيلان


لم أصل إلى الفولة جسداً، لكنني زرتها في الكلام. في جلسات المساء، في ونسة خالي، في ضحكة عمّي حين يحكي عن طفولته في الحقول. رأيتُ الفولة بعيونهم: مدينة زراعية، قوية، دافئة، تنبت القطن والكركدي، وتُنبت في الناس صلابة لا تُكسر. كانوا يقولون إن فيها ذهب ونفط، لكنهم لم يتحدثوا عن ذلك كثيراً. كانوا يتحدثون عن الأعراس، عن التعايش، عن الناس، كأن الفولة ليست موارد، بل روح.


مدينة تسكنها السنابل والأنغام والقبائل. الفول السوداني، الدخن، الكركدي، وحتى القطن، كلّه يُزرع بيد ويُروى بالأمل. في باطن الأرض نفط وذهب وصمغ، وعلى سطحها بشر يعرفون كيف يجعلون من التعايش قانوناً، ومن الأرض أمّاً.


مدينة الفولة. المصدر: فيسبوك


لقاوة… المدينة التي تتنفس بهدوء


أما لقاوة، فكانت المدينة التي أشتاق إليها قبل أن أراها. حكاياتها تشبه التواشيح- خفيفة، متكررة، صادقة. في ظل الجبال، بين خرير الخور، وفي أسماء الناس، كانت تتكوّن لقاوة في خيالي. قالوا إنها لا تصرخ، لا تتجمّل، لكنها حقيقية. كأنها تُعلّمك الصمت، والانتباه، والسكينة. هناك، عند نهاية التلال، وفي ظل الجبال، تتمدد لقاوة كأنها مدينة تتأمل الحياة. خلف خرير الخور الموسمي، ونبض الأسواق البسيطة، وأسماء الناس المحفورة في الذاكرة تتكوّن لقاوة. لا تصرخ، لا تتجمّل. بل تكتفي بأن تكون هي: صامتة، صبورة، وحقيقية. واليوم أكثر من 70% من مدارسها متضررة أو مغلقة وفق تقارير اليونيسف.


كردفان بين ضوء الذاكرة وظلمة الحرب


وفقاً لتقارير منظمة "اليونسكو" (2023)، فإن جهود حماية "التراث الثقافي غير المادي" في السودان، تهدف تحديداً إلى دعم قدرة المجتمع على الصمود، لا سيما بين الشباب المتأثرين بالنزاع. وقد أكدت المنظمة أن التركيز على التراث يشكّل ركيزة حاسمة لتعزيز التماسك الاجتماعي ومواجهة التحديات المستمرة. فالثقافة لم تكن ترفاً، بل كانت سلاحاً ضد النسيان. كردفان التي عرفناها ذات يوم كانت حكاية من نور، ترقص فيها بارا على إيقاع الليمون، وتقصّ الأبيض حكاياتها للتاريخ، وتغني النهود من تحت ظلال التبلدي. لكن الحرب، تلك الحرب التي بدأت في الخرطوم ثم تمددت، وجدت في كردفان أرضاً غنية فصارت مسرحاً آخر للدمار.




اضافة إلى جمال لقاوة الخلاب تمتاز بتماسك اهلها. المصدر: فيسبوك


في يونيو 2025، تحولت الأبيض، عاصمة شمال كردفان، إلى هدف للطائرات المسيّرة، حين شنّت قوات الدعم السريع هجومًا مفاجئاً أرعب الأهالي وضرب قلب المدينة. لم تعد الأبيض سوقاً للحكايات فقط، بل صارت ساحة معركة مفتوحة على احتمالات الانهيار.


وغرباً، في النهود، حيث كان الأطفال يلهون بالعصي تحت أشجار التبلدي، اشتدت المعارك بين الجيش والدعم السريع، لتُغتال براءة المدن، وتُقصف البيوت، وتُهدم المساجد، وتُشرّد العائلات. المدينة التي بُنيت بالحلم لا بالقطار، بدت وكأنها تُطفئ نورها قطعةً قطعة، تصرخ في صمت أن كفى. الفولة، أرض الذهب والنفط، بليلة والزرقة وأبو جابرة، تحوّلت إلى غنيمة للطرفين، فيما الطرق المؤدية إليها باتت ممرات للخوف. سيطرت "الدعم السريع" على حاميات استراتيجية، وأصبح طريق الإنقاذ الغربي شرياناً متنازعاً بين من يسعى لبسط سيطرته ومن يحاول الدفاع عن نبض البلاد الأخير.


النزاع دمّر جزءاً من زراعتها، كما أوضح برنامج الأغذية العالمي، لكنه لم يُطفئ صلابة المزارعين. لكن الفولة لا تموت. هي كالأرض، تعرف متى تبتلع الدمع، ومتى تُنبت من تحته سنبلة. ولم تكتفِ الحرب بالقصف، بل اخترقت كل شيء: من مزارع السمسم والفول إلى قاعات المدارس ومراكز الصحة الريفية، ومن أحلام الفتيات الصغيرات في لقاوة إلى أرواح الأمهات الصابرات في بابنوسة. حتى حقول النفط، التي كان يُعوّل عليها لإنعاش الاقتصاد، صارت عرضة للتلف والتعطيل وسط غياب الإعلام وتجاهل العالم.


لكن كردفان، كما عهدناها، لا تستسلم.


كردفان… بين الذاكرة والمستقبل


في كردفان، الماضي لا يُروى كذكرى فقط، بل يُمارَس كحياة. في الضراء، يجتمع الرجال حول قدور العصيدة ليتقاسموا الطعام والكلمة. في الجودية والنفير والفزع، تُبنى قوة المجتمع. وفي الرعي والزواج والأسواق، يتشكل معنى الانتماء. حتى الحرب، رغم ما سرقته، لم تستطع أن تسرق الأغنية الكردفانية ولا زغاريد النساء ولا إصرار الأرض على العطاء. فكما تؤكد الدراسة الأكاديمية بعنوان "التراث الشعبي ودوره في تعزيز الهوية الثقافية… كردفان" (2018): "إن التراث الكردفاني قيّم ومتميز ومتنوّع، ويشكل مادة استراتيجية لدعم الهوية الوطنية والمساهمة في تنمية وتطوير الثقافة".


طريقة التنقل اليومية لأهل المنطقة. المصدر: بينترست


ثم غادرت… ولم أغادر


حين اضطررت للمغادرة من جديد، هذه المرة خارج السودان، غادرت جسدياً، لكن شيئاً من روحي ظلّ هناك. صرت أتابع أخبار كردفان من بعيد. النهود التي كنا نشرب فيها القهوة، أصبحت الآن عنواناً في نشرة حزينة. الفولة التي سمعتها في الحكايات، تُقصف. ولقاوة التي لم أرها، لكنها سكنتني، تعاني بصمت. كانت المعنى الأخير لوطنٍ يعيش فينا حتى لو غادرناه. هي الأبيض التي علّمتني الحواس، وبارا التي ردّت لي الذاكرة، والنهود التي فتحت لي باب الانتماء، والفولة التي حملتها من حكايات الأحبّة، ولقاوة التي زرعتها في الخيال.


لم أكتب هذا النص حين كنت هناك بل كتبته حين عرفت أن كردفان هي التي لا تزال فيّ، حتى بعد أن غادرت. وربما لا تُكتب بعض المدن لتُروى فقط، بل لتُوقظ فينا أسئلة لا تهدأ: من نكون حين نُجبر على الرحيل؟ وأين نعود حين يُقصف الخيال؟

إن كنتَ قد مررت بكردفان أو مرّت بك، فامنح ذاكرتها صوتاً. واكتب عنها، أو اقرأ، أو اسأل، أو تذكّر.فبعض الأمكنة لا تُشفى منّا، إلا إن تذكّرناها علناً.


ملاحظة المحرر:

منذ منتصف عام 2025، شهد إقليم كردفان تصعيدًا ملحوظًا في أعمال العنف، مع اشتداد القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وتمدده عبر ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان. ومنذ أواخر عام 2025 وحتى مطلع عام 2026، تأثرت مدن من بينها الأبيض، النهود، الفولة، لقاوة، إضافة إلى المناطق الريفية المحيطة، بالغارات الجوية والاشتباكات البرية والهجمات على البنية التحتية المدنية. وقد لحقت أضرار بالأسواق والطرق والمرافق الصحية والمدارس والمناطق الزراعية، ما أدى إلى مزيد من تعطّل الحياة اليومية والخدمات الأساسية.

وبحسب الأمم المتحدة وآليات تنسيق العمل الإنساني، فقد فاقم هذا النزاع وضعًا اقتصاديًا وإنسانيًا متدهورًا أصلًا. إذ قُطعت طرق الإمداد مرارًا، وارتفعت أسعار الغذاء والوقود بشكل حاد، وتراجع الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والمياه النظيفة. كما نزح أعداد كبيرة من المدنيين داخل كردفان أو أُجبروا على النزوح إلى مناطق أخرى، في حين يواجه من بقوا أوضاعًا متزايدة من انعدام الأمن الغذائي ومحدودية المساعدات الإنسانية نتيجة لانعدام الأمن وصعوبات الوصول.

يُنشر هذا المقال في ظل هذه التطورات المستمرة، بينما يواصل إقليم كردفان تحمّل وطأة العنف المتصاعد، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، وحالة عدم اليقين الواسعة، في وقت تكافح فيه مجتمعاته للحفاظ على التماسك الاجتماعي والثقافة والقدرة على الصمود تحت ضغوط استثنائية.



ريان بشارة

ريان بشارة كاتبة محتوى ومهندسة سرد تعيد بناء ما هدمته الحرب بالكلمات. تكتب لأنها نجت، ولأن الحكايات التي لا تُروى تموت بصمت. ترمم الذاكرة السودانية بالحرف، وتؤمن أن للمحتوى دورًا يتجاوز الإعلان… دورٌ يُشبه الإنقاذ. خبرتها تمتد في إدارة المنصات الرقمية وصناعة الهُوية، لكن جوهرها يبقى في كتابة ما يُشبه الناس ويُشبهها: حقيقي، نابض، لا يُنسى.