هناك صورة فوتوغرافية تُعبّر عن السودان أكثر مما يُمكن لأي بيان صحفي أن يُعبّر عنه؛ ملصق باهت لتخرّج طلاب مدرسة الحرية في بحري، يعود تاريخه إلى عام 2013. طُبعت عليه أسماء فنانين رسّخوا ملامح نوعٍ فنيٍّ ومرحلة مراهقة جيلٍ كامل، من بينهم الفنانة الراحلة نون، أحدى فناني الزنق. وفي الصورة يقف مراهق يُدعى خالد فرحات، المعروف حينها باسم زنقولا، قبل سنوات من أن يعرفه الجمهور باسمه الفني ود المزاد. اليوم، لم يعد ذلك الملصق مجرد ذكرى، بل أصبح قطعة باقية من وطن لم يعد موجوداً بالشكل الذي كان عليه.

ملصق حفل تخرج ود المزاد، مدرسة الحرية، بحري، 2013. حيث عزف نيجيري، وأدت الفنانة الراحلة نون. تصميم: ويز عثمان.
منذ أبريل 2023، تسبّبت الحرب في السودان في نزوح أكثر من اثني عشر مليون شخص، ما يجعلها واحدةً من أكبر أزمات النزوح في العالم. حيث دُمّرت أحياءٌ بأكملها، بما فيها حيّ المزاد في بحري، وتعرّضت للوحشية والتهجير القسريّ من سكانها. أُغلقت المحلات التجارية والمكاتب والمراكز الثقافية. صمتت استوديوهات التسجيل أو نُقلت إلى دولٍ مجاورة أو إلى المنفى. يجد الموسيقيون الذين كانوا يتشاركون أماكن التدريب ويضفون حيوية على المساحات الفنية والقاعات وحتى حدائق الفعاليات في الخرطوم، أنفسهم اليوم يؤدون عروضهم في القاهرة وكمبالا ونيروبي ودبي ولندن وغيرها.
كُتب الكثير عن الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب، لكن القليل فقط تناول ما يحدث عندما تُقتلع منظومة موسيقية كاملة من جذورها. ماذا يحدث لصوت حيٍّ بأكمله عندما يختفي الحي نفسه؟ بالنسبة للفنان السوداني ود المزاد، فإن الإجابة بسيطة: الصوت يسافر مع الناس.
أصوات جيل
لفهم رحلة ود المزاد، لا بد أولاً من فهم البيئة التي صنعت تجربته. فقد امتلك السودان، على مدى عقود، واحدة من أغنى التقاليد الموسيقية في إفريقيا والعالم العربي. فمن الإرث الشعري لموسيقى الحقيبة في مطلع القرن العشرين، إلى الأعمال الأوركسترالية لمحمد وردي ومحمد الأمين وأبو عركي البخيت، ظلت الموسيقى السودانية تتجدد باستمرار، مع احتفاظها بجذورها العميقة في اللغات المحلية والإيقاعات السودانية.
وبحلول أواخر تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، بدأ جيل جديد من الفنانين السودانيين يعيد تشكيل هذا المشهد. فقد تأثروا بالهيب هوب الأمريكي، والأفروبيت، والدانسهول، والإنتاج الموسيقي الإلكتروني، لكنهم في الوقت نفسه رفضوا التخلي عن هويتهم السودانية. وبدلاً من تقليد الاتجاهات العالمية، أعادوا إنتاجها بروح محلية، فصنعوا موسيقى تنبض بلهجة الخرطوم، وروح الأحياء الشعبية، والفكاهة اليومية، وتفاصيل الحياة العادية. ومن هذه البيئة خرج الزنق. لم يكن مجرد لون موسيقي، بل أصبح الموسيقى التصويرية للأعراس، وحفلات التخرج المدرسية، واحتفالات الأحياء، وثقافة الشباب. كان صاخباً، نابضاً بالإيقاع، وسودانياً بامتياز، ينتمي إلى الشارع بكل ما يحمله من حياة.

أكبر عروض ود المزاد في الخرطوم، في المكتبة القبطية. الصورة بإذن من الفنان.
قبل أن يسجل ود المزاد أي أغنية من هذا اللون، كان يعيش داخله بالفعل. ويستعيد تلك المرحلة قائلاً: "بدأت كمغني راب في بحري، وكان الناس يعرفوني باسم خالد زنقولا. الزنق كان موجود في كل مكان حوالينا؛ كان فرحة المراهقين السودانيين وصوت كل حفلة مدرسية. ولسه محتفظ ببوستر حفلة تخرجي من مدرسة الحرية سنة 2013. كان نيجيري حيغني، والفنانة نون كانت من المشاركين. دا كان عالمي: الهيب هوب في المايك، والزنق في الشوارع." وتحمل هذه الذكرى اليوم دلالة خاصة. فقد توفيت الفنانة نون، أحد أبرز الأصوات التي أسهمت في تشكيل الزنق، في ديسمبر 2023، بعد أشهر من اندلاع الحرب في السودان. ويقول ود المزاد: "أنا ما كنت بصنع الزنق وقتها، أنا كنت عايشه." ويضيف أن توجهه إلى هذا اللون الموسيقي اليوم هو "طريقة لتكريم الناس البَنوا الزنق."

الحي الذي نشأ فيه، المزاد، بحري، مع أصدقائه. والشارع الذي سُمّيَ باسمه. الصورة بإذن من الفنان.
ثورة... ثم انكسار
كان المشهد الموسيقي السوداني المعاصر يشهد تحولات قبل الحرب. فقد أحدثت ثورة ديسمبر 2018-2019 تحولاً في الفضاء العام، ومعه تغيرت أشكال التعبير الفني. أصبحت أغاني الثورة، وجلسات الراب الجماعية وعروض الشعر المنطوق جزءاً من المشهد الصوتي للمظاهرات، وتحول الفنانون إلى شهود يوثقون مجتمعاً يطالب بالتغيير السياسي. وخلال السنوات التالية، بدأت الموسيقى السودانية تحظى بحضور أكبر على منصات البث الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، ووجد الفنانون المستقلون جمهوراً خارج حدود السودان، مع احتفاظهم بلغتهم وهويتهم وأسلوبهم السوداني الواضح.
ثم جاء أبريل 2023. مزقت الحرب المساحات التي كانت تحتضن هذه الطاقة الإبداعية. أغلقت الاستوديوهات، واختفت المهرجانات، وخلت المسارح والأماكن الثقافية في الأحياء، وتفرق الفنانون في المنافي. لكن بالتوازي مع هذا الشتات، حدث أمر لافت؛ لم تختفِ الموسيقى السودانية، بل أصبحت عابرة للحدود.
بالنسبة لواد المزاد، كان هذا التحول فورياً؛ يقول: "لم تُغيّر الحرب حياة الناس فحسب، بل غيّرت مشهد موسيقى الراب في السودان بأكمله. معظم مغني الراب الذين تسمعهم اليوم صنعوا شهرتهم بعد الحرب؛ أما أنا فقد صنعت شهرتي قبلها. لذا، أحمل في داخلي صورتين للبلاد: السودان حيث كانت الموسيقى مصدر بهجة خالصة، وسودان ما بعد الحرب. عندما تكون بعيداً عن وطنك، تلجأ إلى الصوت الذي يحمل في طياته جوهره. كان الراب حرفتي، لكن الزنق كانت مصدر سعادتنا، وبعد عام 2023، أدركت أن السعادة هي أثمن ما نملك. حينها أصبح تغيير نوع الموسيقى واضحاً: لموسيقاي دور جديد."
تختصر هذه الكلمات ما هو أكبر من تجربة فنان واحد؛ فقد تغيرت الجغرافيا نفسها للموسيقى السودانية. أصبحت القاهرة، وكمبالا، ونيروبي، ودبي، وجدة، ولندن مراكز جديدة للإبداع، تربط بينها الهجرة، والمنصات الرقمية، وجمهور يحمل السودان في ذاكرته أينما ذهب. وبالنسبة لود المزاد، جعلته المسافة أكثر إدراكاً لما يستحق التمسك به.

مع الثوار في الشوارع. الصورة بإذن من الفنان.
الفرح ليس نقيض الحزن
قد يبدو طبيعياً أن تنشغل الموسيقى المولودة من رحم النزوح بالحزن والصدمة وحدهما، لكن ود المزاد يرفض هذا التصوربوعي. يقول: "يرى العالم السودان من خلال عناوين الأخبار، لكنني أريد أن يرى الشباب السوداني أنفسهم من خلال موسيقاهم". فلسفته لافتة للنظر لأنها ترفض فصل الفرح عن البقاء، وبدلاً من إنكار المعاناة، يرى أن الحفاظ على الاحتفال هو في حد ذاته فعل ثقافي. وقد شكّل هذا النهج أحد أهم إصداراته.
حيث ظهرت أغنية "زوزو"، من إنتاج مشاكل بيتس، بعد اندلاع الحرب بفترة وجيزة. انغمس في شوارع القاهرة مع وصول مئات الآلاف من العائلات السودانية بعد رحلات محفوفة بالمخاطر عبر الحدود. ويضيف: "حاولتُ أن أتحدث نيابةً عن أولئك الذين يموتون على الحدود وفي الطريق. كان عليّ أن أُفرّغ غضبي بالأمل وأعكس الألم من خلال الرقص والموسيقى السريعة. غيّرت تلك الأغنية علاقتي بالجمهور لأنها كانت ملكهم قبل أن تكون ملكي".
التحدث باللهجة السودانية
مع انتشار الأغنية ووصوله إلى المسارح العالمية، ازداد الضغط عليه ليصبح أكثر شهرة على المستوى الدولي. لم يتردد ود المزاد في مواجهة التحدي، فهو يقيم الآن في لندن، ويدرس الإخراج وصناعة الأفلام في معهد SAE، أحد أكبر معاهد الإعلام الإبداعي في العالم، وقد أتمّ بالفعل دورات في إدارة الأعمال الموسيقية عامي 2022 و2023. غيّر هذا من نظرته إلى الموسيقى؛ إذ أصبحت تتجاوز الأغنية لتشمل الصورة والقصة والجانب التجاري. يقول: "أعمل على بناء نفسي كفنان متكامل، لا مجرد صوت".
ورغم هذا الانفتاح العالمي، رفض أن يخفف لهجته، أو يبسط كلماته، أو يقترب من الأصوات الموسيقية الأكثر شيوعاً عالمياً. ويؤكد: "أستخدم اللهجة السودانية العامية الأصيلة، وهي من أصعب المفردات حتى على أبناء الجالية السودانية في الخارج. لكن كان عليّ التمسك بهويتي. مهمتي ليست تغيير ما أقوله، بل بذل قصارى جهدي لمساعدة العالم على فهمه. اللغة هي الهوية، وإذا ترجمت نفسي، فلن يبقى شيء لاكتشافه". بالنسبة للمستمعين المولودين خارج السودان أو الذين نشأوا في مجتمعات الشتات، تُصبح هذه الخيارات اللغوية قرارات فنية وأفعالاً للحفاظ على التراث، إذ تحمل كل عبارة آثاراً من الأحياء والنكات والعلاقات وأساليب الكلام التي لا تستطيع الحرب محوها.
وقد جلب النجاح في المنفى لود المزاد فرصاً لم تكن متاحة لكثير من الفنانين السودانيين المستقلين. ففي عام 2023، وقع اتفاقية توزيع مع شركة إمباير عبر مديرها الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أحمد كمال، وهي خطوة يعتبرها ثمرة سنوات من العمل، لا نهاية الطريق. وتأمل في هذا الإنجاز قائلاً: "انتظرت اللحظة المناسبة لأُعيد تقديم نفسي كفنان راب سوداني. تكمن الفرصة في البنية التحتية العالمية، أما التحدي فيكمن في استيعاب توقعات المشهد الفني بأكمله".

بورتسودان، 2020. أول حفل لود المزاد في السودان. تصوير: HMD Aldiba Production
بناء مستقبل إبداعي سوداني
لم تحل لندن محل بحري، لكنها وسعت تصور ود المزاد لما يمكن أن يكون عليه الفنان، ويظهر ذلك بوضوح في مشروعه القادم. فهو يعمل حالياً على إصدار ألبوم قصير قادم من ثلاث أغنيات، من إنتاج مجتبى كي آر، يُمثل التزامه الكامل تجاه الزنق، مُشيراً إلى أنه "كان يُقابل مغني الراب الذي نشأتُ على موسيقاه". وهو مُتحمس للعودة، مُتأثراً بطاقة الجمهور. ويتذكر قائلاً: "أصوات المسرح، والجمهور، والأصوات الحقيقية التي ساندتني. لن أنسى تلك اللحظات أبداً. هذا ما أعود إليه دائماً عندما أكتب. وفي يوم من الأيام، سأعود إلى الوطن وأُقدم عرضاً تاريخياً أمام نفس الجمهور".
واليوم، يبدو التحول في الموسيقى السودانية واضحاً في حفلات الجاليات السودانية بالخارج، حيث أصبحت الجولات الفنية تجمع بين الفنانين والجمهور في المنافي. ويتحدث ود المزاد عن مشاركته في محطة لندن من جولة Nile Nights Tour، قائلاً إن هذه العروض ليست مجرد حفلات، بل لقاءات مؤقتة بين السودانيين. قائلًا: "الشتات مُترابط؛ القاهرة تتحدث إلى لندن، ولندن تتحدث إلى دبي". وبدلاً من إضعاف الثقافة السودانية، أدى النزوح إلى توسيع نطاقها الجغرافي بشكل غير متوقع.
ويشير إلى أن "جولة كهذه تثبت أن الطاقة الإبداعية السودانية لم تخمد مع النزوح، بل تضاعفت". ويقول إن التجربة بالنسبة للجمهور مؤثرة للغاية؛ "إنها بمثابة وطن لليلة واحدة". أما بالنسبة للفنانين، فهي بمثابة مسار لم يكن موجوداً من قبل.

أحد الحفلات في المكتبة القبطية. الصورة بإذن من الفنان.
دليل للاستماع إلى الموسيقى السودانية
وعندما سألناه أن يرشح عشر أغنيات لشخص يريد اكتشاف الموسيقى السودانية للمرة الأولى، جاءت اختيارات ود المزاد كرحلة تمتد عبر أجيال مختلفة، وتتجاوز مسيرته الفنية بكثير.
بدأ قائمته بالفنان الراحل محمود عبد العزيز، صاحب الصوت الذي لامس وجدان السودانيين، والذي لا يزال يُعد أحد أكثر الفنانين شعبيةً ومحبة في السودان. ورشح أغنيتي الفات زمان وأقمار الضواحي، وهما من الأعمال التي لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للسودانيين. ثم انتقل إلى أغنيات ود الزين، واختار الليلة لاقيتو والحقيقة، وهما عملان يعكسان روح الاحتفال والبهجة التي تميز جزءاً أصيلاً من الثقافة الموسيقية السودانية.
كما ضمّن في القائمة بعضاً من أعماله، باعتبارها فصولاً من الحكاية التي يسعى إلى روايتها. فتمثل أغنية زوزو الأثر العاطفي المباشر للنزوح والحرب، بينما تستكشف زمن الحنان معاني الذاكرة والحنين، في حين تشير أغنيته ست الودع، التي تعاون فيها مع إيلاف عبد العزيز، إلى المرحلة الجديدة التي يتجه إليها فنياً.
وتتواصل القائمة مع أغنية همس الشوق لود الأمين، والأغنية الكلاسيكية يا حبيبي أنا عيان لفرقة سوانيز باند، إلى جانب أغنية حالي في الغربة لمحمد عثمان بمشاركة الفنان الراحل الجزار، وهي أغنية تتأمل تجربة الغربة، وتكتسب اليوم دلالات أكثر عمقاً في ظل واقع النزوح الذي يعيشه ملايين السودانيين.
وتشكل هذه الترشيحات، مجتمعة، خريطة للموسيقى السودانية عبر الأجيال، تربط بين الأصوات التي صنعت تاريخها، والفنانين الشباب الذين يعيدون تشكيل ملامحها في الحاضر.

عام 2009، مع ناس جوطة مع ود المزاد على اليمين. حيث بدأ كل شئ. الصورة بإذن من الفنان.
تسجيل وطن
خلال حديثنا، يعود ود المزاد مراراً وتكراراً إلى فكرة واحدة: الذاكرة. لا يزال يفكر في مسارح بحري والجماهير. يقول: "عندما ينظر الناس إلى الوراء إلى هذه الفترة، آمل أن تكون الموسيقى هي ذاكرتنا عندما كانت الذاكرة خطيرة، وخيالنا عندما لم يمنحنا الواقع شيئاً نتخيله".
ويضيف ما قد يكون أبسط وأعمق تعريف لما يمكن أن تفعله الموسيقى أثناء الحرب؛ حملت الأغاني ما عجزت عنه الأخبار: الفرح، واللغة العامية، وأسماء من فقدناهم. إذا سمع طفل وُلد في الشتات أغاني الزنق بعد عشرين عاماً وشعر وكأنه من بحري، فقد أدّت الموسيقى دورها. لم ننجُ من هذه الفترة فحسب، بل وثّقناها بكل ما تحمله الكلمة من معنى. في عالمٍ فرّقته الحدود، قد يكون هذا أقرب ما تُقدّمه الموسيقى إلى الوطن.