الصور من فانيا موريُوكي و أفريكان آرت أجنِدا.
لطالما واجهت النساء في قطاع الفنون في كينيا حواجز هيكلية وثقافية حدّت من ظهورهنّ وقلّصت فرص وصولهنّ إلى المساحات المهنية، لكن خلال العقود القليلة الماضية استطعنَ بثبات أن ينتزعن لأنفسهنّ مكاناً مهماً داخل المشهد الإبداعي في البلاد. تمتد ممارساتهنّ الفنية عبر طيف واسع من الوسائط، تشمل الرسم، والنحت، والأداء، والفنون المتعدّدة الوسائط، والفن التركيبي، وغالباً ما تتناول أعمالهنّ موضوعات الهوية، والنوع الاجتماعي، والإرث الثقافي، والعدالة الاجتماعية، والمجتمع.
وفي كينيا المعاصرة، يتزايد حضور النساء في كلّ من الإنتاج الفني والقيادة المؤسسية. فالمعارض والفعاليات والبرامج الفنية باتت تعرض أعمالهنّ بشكل متزايد، وفي الوقت نفسه تتولّى النساء أدواراً مؤثرة في تشكيل القطاع الثقافي، بما يضمن إدراج وجهات النظر النسائية في عمليات اتخاذ القرار والممارسات القيّمية. وقد بدأت حركة جديدة تتشكّل لتحدّي هذا الإقصاء واستعادة القصص التي دُفعت طويلاً إلى الهامش.

معرض بريكيشو الذي أقيم في المتاحف الوطنية الكينية
الغياب الطويل لفنّانات كينيا
على مر أجيال، تجسّد العمل الإبداعي لفنّانات كينيا في صمت، داخل غرف المعيشة، واستوديوهات المنازل المؤقتة، والمساحات الخاصة التي سمحت لهنّ بالإبداع بعيداً عن الرقابة والوصمة والإهمال المنهجي. لقد أسهمت أعمالهنّ في تشكيل المشهد الثقافي الكيني، لكن أسماءهنّ ظلّت في الغالب غائبة عن الأرشيفات الوطنية، والمؤسسات الفنية، والذاكرة الجماعية. لم يكن تغييب فنّانات كينيا أمراً عرضياً ولا حالة منفصلة؛ بل هو نتيجة لقوى اجتماعية وثقافية ومؤسسية عميقة الجذور دأبت باستمرار على التقليل من قيمة العمل الإبداعي للنساء.
العزلة الفنية والضغوط الاجتماعية
تعمل العديد من الفنّانات في ورش منزلية خاصة أو مساحات محدودة بسبب صعوبة الوصول إلى استوديوهات ميسورة التكلفة، أو مخاوف تتعلق بالسلامة، أو مسؤوليات الرعاية. ورغم أن هذه البيئات توفر الخصوصية، فإنها تسهم أيضاً في نقص الرؤية والظهور على المستوى النظامي.
غالباً ما يُسأل الفنّانات غير المتزوجات عن وضعهنّ الاجتماعي، ويُنظر إلى أعمالهنّ على أنها انحراف عن الأدوار التقليدية للجنسين. ويواجه الكثير منهنّ الوحدة، والنقد المجتمعي، وتوقعات تعطي الأولوية للرعاية المنزلية على حساب المسيرة الإبداعية.
لسنوات طويلة، لم يكن لدى كينيا معرض وطني مخصّص للفنون البصرية، إذ ركز الاستثمار الثقافي الحكومي على الآثار والتراث. فبدون تمويل عام، أو مواد فنية ميسورة، أو دعم مؤسسي قوي، اضطرت النساء تاريخياً إلى تمويل ممارساتهنّ بأنفسهنّ. تكشف قصص الفنّانتين الرائدتين روزماي كاروجا وريبيكا نجاو عن التكلفة البشرية للإهمال المنهجي.
حياة تعكس نظاماً: كاروجا ونجاو
وُلدت روزماي كاروجا عام 1928، وكانت أول امرأة تتخرّج من كلية الفنون بجامعة ماكيريري في عام 1952. ومع ذلك، توقّف عملها الفني لعقود أثناء تعليمها، وتربية أسرتها، وتكيّفها مع مجتمع وضع توقعات منزلية فوق السعي الإبداعي. وعندما عادت إلى الفن في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ابتكرت أعمالاً فنية رائعة باستخدام مواد مُجمعة، في عمل يعكس الابتكار والصمود. كانت تعمل من غرفة معيشتها، ولم تحظَ بالتقدير إلا في أواخر حياتها.

روزمارِي كاروجا، عمل بلا عنوان (امرأة ببويبو)، 1992، كولاج على ورق، 42 × 30 سم، غاليري سيركل آرت. المصدر Awarewomenartists.com
أما ريبيكا نجاو، أول كاتبة مسرحية كينية ورائدة في الفنون البصرية، فقد واجهت مساعي محو نشاطها الفني. فعلى الرغم من إنتاجها أعمالًا جريئة من الباتيك والمنسوجات في الستينيات، إلا أن أرشيفها دُمّرَ على يد زوجها السابق، مما أدى إلى محو جزءٍ كبيرٍ من إرثها الفني. وبينما ترسخ زملائها الرجال في السجل الفني الوطني، انحدرت مساهمات نجاو إلى شفا النسيان تقريباً.
جيل جديد يرفض الصمت
اليوم، تُقاوم الفنّانات الكينيات الشابات هذا الغياب التاريخي. حيث أنشأت "زيوا زامباراو" و"هاوا آرت سبيس" ومبادرات فنية أخرى منصات تُمكّن النساء من التجمع والنقد ومشاركة الأعمال الفنية وبناء مجتمعات داعمة. تواجه فنانات مثل بياتريس وانجيكو المعايير الاجتماعية المقيدة بشكل مباشر، بينما تتحدى العروض العامة لـ أتو ماليندا ملكية المساحات القائمة على النوع الاجتماعي، مسلطة الضوء على المخاطر التي تواجهها النساء لمجرد الظهور.
تتميز أعمالهنّ بالابتكار والحميمية، لكنها نادراً ما تصل إلى المعارض العامة. ومع ذلك، لم يكن غيابهنّ انعكاساً للغياب الفعلي، بل كان استراتيجية، وصموداً، ومقاومة. وقد صممت منظمة أفريكان آرت أجنِدا، التي تقودها النساء، معرض بريكيشو كمساحة للاكتشاف، حيث يمكن أخيراً رؤية قصص هؤلاء الفنّانات وأفكارهنّ وممارساتهنّ، والاحتفاء بها وتوثيقها في الذاكرة.

البوستر الترويجي لمعرض بريكيشو
وقد جمع معرض بريكيشو، الذي أقيم في أغسطس وسبتمبر 2025، ونسّقته منظمة "أفريكان آرت أجندة" الفنية النسائية، بالتعاون مع مجموعة لاك راو واستضافته المتاحف الوطنية في كينيا، فنّانات مقيمات في نيروبي يستعيدن في أعمالهن المعرفة المتوارثة، والأنساب النسوية، والمواقف اليومية كمواقع للقوة والنقد والرعاية.
بريكيشو، التسمية الكينية للعبة الأطفال "الغميضة"، حيث يجمع بين الطابع المرح والعمق في آن واحد. إنه دعوة للعثور على ما ظلّ مخفياً لمدة طويلة: الأعمال القوية لفنّانات كينيا اللواتي يبدعن في استديوهات منازلهن خاصة، والتي غالباً ما تكون غائبةً عن أنظار عالم الفن السائد.
يقع المعرض ضمن هذا التيار المتصاعد للمقاومة، مقدماً الرؤية كبنية تحتية أساسية من خلال توفير منصة عامة تساعد الفنّانات على بناء شبكاتهنّ، وتعزيز ملفاتهنّ الرقمية، والتواصل مع المؤسسات التي تجاهلتهنّ تاريخياً.
تنسيق متعمد
قام بتنسيق المعرض كل من أوور أونيانغو (المنسقة الرئيسية)، وجوان أوتشولا (كمساعدة)، وليني كاريكي (منسقة، معرض نيروبي)، وكان المعرض الأول ضمن سلسلة لقاءات سنوية مخصصة لـ "الفنّانات اللواتي يتخيّلن الواقع بشكل مختلف".
تمر رسالة أفريكان آرت أجنِدا، التي تهدف إلى توثيق، وأرشفة، وتقديم تاريخ فنون النساء الأفريقيات، خلال معرض بريكيشو كخيط يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.

أوور أونيانغو على اليمين وجوان أوتشولا على اليسار
ما الذي يقدّمه المعرض؟
ضمّ المعرض أكثر من 30 فنّانة من نيروبي وخارجها، عبر أجيال متعددة وتخصصات متنوعة مثل الرسم، والكولاج، والنحت، والمنسوجات، وفنون الفيديو. تستكشف أعمالهنّ موضوعات الهوية، والذاكرة، والنوع الاجتماعي، والتعافي في حقبة ما بعد الاستعمار، جامعةً بين التجربة الشخصية والسرد العام.
شمل البرنامج العام للمعرض حوارات مع الفنّانات، وعيادات لتطوير الملفات الفنية، وتركيبات تفاعلية أتاحت للزوار فرصة التفاعل المباشر مع الفنّانات والأفكار التي تشكّل ممارستهنّ. ورافق المعرض أرشيف رقمي يضمن توثيق أصوات هؤلاء النساء لصالح الأجيال القادمة.
استعادة تاريخ الفن وبناء أرشيفات المستقبل
إلى جانب عرض الأعمال المعاصرة، سعى معرض "بريكيشو" إلى إعادة كتابة سجل تاريخ الفن. حيث عمل القيمون والباحثون على توثيق مساهمات رائدات الفن، لضمان أن تكون قصص مثل قصتي كاروجا ونجاو ليست مجرد هوامش، بل فصولاً مركزية في الثقافة البصرية الكينية. تهدف مبادرات مثل ندوة مؤسسة نجابالا إلى معالجة الفجوات في تاريخ الفن في منتصف القرن، بينما تسعى جهود أفريكان آرت أجنِدا للأرشفة الرقمية لضمان ألا يواجه الجيل القادم من الفنّانات نفس الإهمال والمحو.
وقد حملت مبادرة بريكيشو رسالة موحّدة لمختلف الجماهير:
بالنسبة للفنّانات، كانت دعوة للتقدم للأمام، والظهور، والمطالبة بمساحة في المشهد الثقافي، مؤكدةً أن الرؤية هي قوة، إذ تبدأ بالتواصل والأمان والفرص والتقدير بالظهور. بالنسبة لعشاق الفن، شجعت المبادرة على دعم أعمال الفنّانات، ومشاركتها، والترويج لها حتى تتجاوز القصص الشبكات الخاصة. أما للمعارض والمؤسسات، قدّمت تحدياً لتوسيع البرامج، وتنويع المجموعات، والاستثمار في الفنّانات كضرورة هيكلية.

جانب من اللوحات الموجودة في المعرض
نحو مشهد ثقافي جديد
صُمم معرض "بريكيتشو" ليكون تجمعاً سنوياً، وأرشيفاً متنامياً، ومساحةً مشتركةً تُمكّن الفنانات الكينيات من استعادة طاقاتهن الإبداعية. بمعالجته لمشكلة الاختفاء وتقديمه حلولاً ملموسة عبر الرؤية، والتوثيق، وبناء المجتمع، يشكّل المعرض خطوة محورية في إعادة كتابة تاريخ الفن الكيني. وإذا استمرّت هذه المبادرة، فإنها تعد بتعزيز ظهور الفنّانات، وخلق شراكات مؤسسية، وإحياء إرثهنّ وذاكرتهنّ الفنية.