هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

"فمٌ مليءٌ بالملح" هي الرواية الأولى لريم جعفر. حازت على جائزة الجزيرة لعام 2023، لتكون بذلك أول سودانية تفوز بهذه الجائزة عن رواية أفريقية. لاقت الرواية استحساناً كبيراً وإشادةً واسعةً من الجمهور المحلي والدولي على حدٍ سواء. في هذه المقالة، أودّ أن أقدّم مراجعةً للرواية من منظور سوداني. ستأتي هذه المراجعة على النحو التالي: أولاً، سأقدّم ملخصاً ونظرةً عامةً على الرواية؛ اطمئنوا، لن أكشف لكم أحداثها! ثانياً، سأتعمّق في التحليل الأدبي للرواية من خلال دراسة تطوّر الشخصيات والحبكة. وأخيراً، سأقدّم قراءةً نقديةً للأدب السوداني في الشتات في ضوء الواقع الاجتماعي والسياسي الراهن في السودان.


غلاف كتاب فم ملئ بالملح. المصدر: قنطرة


عن الكاتبة


"فمٌ مليءٌ بالملح"، على الرغم من أنها الرواية الأولى لريم، إلا أنها ليست تجربتها الأولى في الكتابة. فقد نشرت قصتين قصيرتين: "نور الصحراء"، المنشورة في مختارات "أعرف سودانيين". ونُشرت رواية "العثور على ديسكارت" ضمن كتاب "العلاقات: مختارات من أصوات أفريقية ومن الشتات". كما نُشرت كتابات جعفر في منصة "أندريا"، حيث نُشرت هذه المراجعة، ومجلة "500 كلمة" (واسمها ذا سودانسيت الآن)، ومجلة "أفريكان أرجومنتس"، وغيرها من المنصات. وتدير أيضاً مدونة شخصية بعنوان "الحياة من منظور ريم". إضافةً إلى ذلك، تعمل ريم طبيبةً في مجال الصحة العامة، وهي أيضاً مخرجة أفلام ورسامة. أنتجت وأخرجت فيلماً من خلال منتدى العمارة السوداني عام 2017 بعنوان "مدينة المرجان"، والذي يتناول مدينة سواكن التاريخية المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي. كما أنتجت فيلم "نور الصحراء"، وهو عبارة عن مذكرات وفيلم وثائقي عن جدها الراحل، الحاج محجوب جعفر. وكلاهما يأتيان بأسلوب سردي وثائقي.


الكاتبة ريم جعفر. المصدر: صحيفة التغيير


نبذة عن الرواية

 

تدور أحداث الرواية في قرية صغيرة في ولاية الشمالية بالقرب من دنقلا، وتتبع التصاعد الدرامي للأحداث في هذه القرية الهادئة والمملة عادةً، من خلال الحياة الشخصية لأبطالها. تكشف الأحداث عن حدس شخصي، وصراع عائلي، وعنف تاريخي، وبنى قمع هشة، وكلها تتكشف من خلال سرد راوٍ عليم يتابع هذه الأحداث عبر التجربة الجماعية العامة لأهل القرية والتجارب الشخصية الخاصة للشخصيات الرئيسية الثلاث.


تسلط الشخصيات الرئيسية الثلاث الضوء على ثلاث نساء: فاطمة، الفتاة الصغيرة التي تبدأ بها القصة، والتي، في سرد ​​تاريخي نمطي عن ريف السودان، تميل إلى الحداثة وتتوق إلى مغادرة قريتها الصغيرة ومتابعة أحلامها في الخرطوم. يذكرني أسلوب كتابة شخصية فاطمة كثيراً بشخصية ثريا في رواية "زقاق الأغاني" للكاتبة ليلى أبو العلا، وهذا ليس غريباً لأن الكاتبة، ريم، ذكرت في مناسبات عديدة، بما في ذلك في مقدمة الرواية، أنها متأثرة جداً بكتابات أبو العلا وقصصها. الصراع في قصة فاطمة هو صراع نفسي. هي مندمجة آلياً في الحياة الاجتماعية وأحداث القرية، لكن هذا الاندماج لا يزيدها إلا نفوراً من هذه الحياة، ويجعلها تتوق إلى اليوم الذي تغادرها فيه. تتمتع فاطمة بقدر كبير من الاستقلالية، وهو أمر غير مألوف؛ إلا أن هذه الاستقلالية تتيسر من خلال صدمات عائلية تتكشف تدريجياً في القصة.


الشخصية الثانية التي تتمحور حولها الرواية هي سلافة، التي تُصوَّر كامرأة تعاني من عقدة طفولة، سعت إلى الخلاص منها بالزواج، لتُصاب بخيبة أمل وخيانة من عائلة زوجها. وتجسد سلافة مظاهر القهر القائم على النوع الاجتماعي، وما تفرضه البنى الهرمية من أشكال الهيمنة والتمييز. كما تمثل تعقيدات الأمومة وهشاشتها، والضغوط الاجتماعية والتوقعات المفروضة على النساء المتزوجات، اللواتي يُختزل وجودهن وقيمتهن الإنسانية في قدرتهن على الإنجاب. وتتناول جعفر أيضًا قضية لافتة نادرًا ما تُطرح بهذه الدرجة من الجدية، وهي سياسات العلاقات داخل أسرة الزوج وتعقيداتها، وكيف يمكن لهذه العلاقات ألا تكون مجرد علاقات سامة، بل أن تبلغ مستويات غير مسبوقة من العنف، كما يتجلى في تجارب سلافة، ونياماكيم، وحتى سارة.


أما الشخصية الثالثة والأخيرة في القصة فهي نياماكيم، الشخصية الجنوب سودانية، التي يُجسِّد من خلالها صراع التفوق العرقي والاختلافات الثقافية وسياسات الهوية. تمثل كل من سلافة ونياماكيم عناصر التمييز الجنسي والعنصري في مجتمعات شمال السودان. إنهما وجهان لعملة واحدة. على الرغم من اختلاف سياقاتهما وظروفهما تماماً، إلا أنهما تعانيان من التمييز الموجه ضد هويتهما كإناث في مجتمع أبوي، إلا أن معاناة إحداهما أشد وطأة من الأخرى بسبب العرق. في مثل هذا المجتمع، تُقاس مكانة المرأة بلون بشرتها، وأعمالها المنزلية، وأمومتها.


تحليل


من أبرز ما يُميز هذه الرواية بنيتها، فهي لا تتبع تسلسلاً خطياً، بل تتخذ شكلاً زمنياً ومكانياً متقطعاً. الجزء الأول، المؤلف من اثني عشر فصلاً، يقع في الحاضر المكاني والزماني، حيث تدور أحداث القرية في الوقت الحقيقي، بالتزامن مع تطور الأحداث، ويرتبط هذا الجزء بفترة تاريخية محددة في السودان، وهي الفترة التي سبقت ثورة/انقلاب الإنقاذ. أما الجزء الثاني، فيقع في الماضي المكاني والزماني، في الخرطوم، حيث تتكشف حياة نياماكيم على خلفية استقلال السودان عام ١٩٥٦. كما يُشير إلى أحداث تمرد توريت عام ١٩٥٥، التي يصفها المؤرخون بأنها اللحظة الحاسمة في الصراع المسلح بين السودان وجنوب السودان. أما الجزء الثالث، فيُعيدنا إلى الحاضر التاريخي، حيث تُحل جميع الصراعات في فصلين قصيرين. يتميز هذا البناء السردي بالذكاء إذ يُضفي عنصر التشويق ويجعل الحبكة غير متوقعة.


يمثل الصراع بين الشخصيات الثلاث ثلاثة مستويات من الوعي يمكن تتبعها في الشخصية النسائية السودانية. المستوى الأول، من الأدنى إلى الأعلى، هو العرق، والذي يتجلى في شخصية نياماكيم، التي يُؤدي عرقها إلى تهميشها واضطهادها والتمييز ضدها وقمعها. بينما يتجلى التمييز وعدم المساواة بين الجنسين من خلال شخصية سلافة، التي ترتبط أنوثتها بأمومتها وقدرتها على الإنجاب وتربية الأطفال. أما فاطمة، فتمثل ديناميكيات الحداثة والتحضر والصراع الشخصي، الممزق بين التقاليد والتراث والأصالة، وبين الحياة العصرية البراقة والعلمانية.


إضافةً إلى الخرافات والقوى الخارقة للطبيعة المنسوجة في ثنايا الرواية، تُضفي ريم ببراعة عناصر أخرى غير بشرية، مثل أشجار النخيل والساقية. مع ذلك، يُعدّ النيل أهم عنصر غير بشري في هذه القصة. فهو لا يُصوَّر كخلفية فحسب، بل كعنصر فاعل يُتفاوض بشأنه، ويتفاوض بدوره بشأن إمكانية الوصول إليه، والحق في الحياة، والبطولة، والانتماء. هذه طريقة ذكية للغاية لتمثيل العلاقة والترابط المتشعب بين السودانيين والنيل باعتباره مصدر حياتهم الأساسي، مع احتفاظ النيل في الوقت نفسه بقدرته على سلب هذه الحياة.


صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لشخصيات الكتاب.


حل الصراع وإيقاع السرد


بشكل عام، أرى أن إيقاع الرواية كان ممتعاً للغاية، فلم يكن سريعاً لدرجة تُفقد القصة تماسكها، ولا بطيئاً لدرجة تُشعر القارئ بالملل. كما كان تطور شخصيتي فاطمة وسلافة متقناً للغاية، وطبيعياً وواقعياً. أما شخصية نياماكيم، من ناحية أخرى، فتبدو سطحية بعض الشيء. تتطور الشخصية بشكل جيد في الجزء الثاني، لكنها تتحول إلى شخصية أحادية البعد في الفصول الأخيرة. علاوة على ذلك، أرى أن خاتمة شخصيتي سلافة ونياماكيم تبدو خيالية بعض الشيء مقارنةً بواقعية بقية أحداث الرواية.


ومن الجوانب الأخرى التي شعرتُ فيها بشيء من التناقض مشهد ولادة سارة في الفصل الحادي عشر. فرغم جمال أسلوب الكتابة، إلا أنني أعتبره إضافة غير ضرورية للحبكة، إذ يبدو مفتعلاً ولا يُضيف شيئاً ذا قيمة للقصة. إلا أنني أتفهم الخيارات السياسية والأخلاقية للكاتبة، لا سيما بالنظر إلى خلفيتها في مجال الصحة العامة. ومع ذلك، كان المشهد شديد القسوة والتفصيل بما لا يتوافق مع ذائقتي الشخصية، وربما يعود ذلك إلى تفضيل شخصي لا أكثر.


التقاليد والتحيز العنصري


تقدم الرواية أيضاً نقداً للتقاليد من خلال تفاعلات الشخصيات المختلفة، حيث تُصوَّر التقاليد هنا على أنها عنصرية ضد سكان جنوب السودان، والإيمان بالخرافات والقوى الخارقة. إنّ الطريقة التي تناولت بها ريم مسألة العرق لم تقتصر على مجرد عرضها كعادات سلبية بسيطة، بل تناولتها كتحيزاً عنصرياً بنيوياً متجذراً في الحصول على التعليم، وفرص العمل، ونوع العمل الذي يؤديه أفراد "العرق الآخر"، فضلاً عن مدى ظهورهم وتنقلهم وقبولهم. ويتجلى هذا بوضوح في الجزء الثاني، حيث تكافح نياماكيم لتربية طفلها بمفردها في الخرطوم، وتعاني من التهميش والاغتراب عن المدينة وسكانها، وحتى من زوجها وعائلته. كما يُصوّر هذا من خلال الصراع الأسري الداخلي وديناميكيات عائلة خير السيد وفاطمة، حيث تُناقش قضايا التسلسل الهرمي بين الجنسين، والظهور، والعمل، والسلطة، وفقاً للجنس، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، والعرق. وهذا يُقدّم قراءة نفسية معمقة لبنية المجتمع السوداني ونقاط ضعفه.


الأدب السوداني في الشتات: لمن نكتب؟


إحدى مشكلاتي الرئيسية مع أدب الشتات، والتي دفعتني لتجنبه لفترة طويلة، هي ميله إلى الحنين كموضوع محوري. قد يكون الحنين خياراً أدبياً رائعاً لطابعه الشعري، لكنه ينطوي أيضاً على خطر المبالغة في تجميل الواقع، وهو واقع قد يكون قاسياً لا يُطاق لمن يعيشونه، مما يؤدي إلى تغريبهم عن واقعهم من خلال الأدب. أما المشكلة الثانية في الحنين فهي أنه يحرم الكاتب من دراسة الموضوع دراسة نقدية، إذ يُضيّق مساحة التحليل والتأمل النقدي.


التحفظ الثاني لديّ تجاه أدب الشتات هو اللغة. هذا الأدب، لكونه مكتوباً بلغات غربية، يتحمل مسؤولية مضاعفة، في رأيي، لتمثيل البلد وثقافته. ليس فقط من خلال سرديات تتوافق مع التصور الغربي للثقافة المحلية، بل على العكس، يجب تمثيلها من خلال أصالة الثقافة المحلية نفسها. فاللغة ليست محايدة أبداً. يجادل فانون (2008) بأنها عدسة أداء، "فهو [الشخص الذي يتعلم لغة المستعمر ويستخدمها] يتخذ موقفاً، و"طريقة التي على أساسها يُرى وأن يرى الآخرين من خلالها، وهذا ما تحمله اللغة." (Linguistically Yours، 2026).


يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية إذا أردنا قراءة هذه الرواية، وكذلك رواية "زقاق الأغاني" التي ذكرتها مراراً في هذه المراجعة كأعمال تنتمي إلى أدب ما بعد الاستعمار أو تتناول مواضيع مناهضة الاستعمار. تتناول رواية ليلى بشكل أساسي حركة التحرير التي سبقت الاستقلال. أما ريم، فتقدم قراءةً للتاريخ من منظور مختلف، من خلال تحليل وتحديد التناقضات والتحيزات والأحكام المسبقة الكامنة في تاريخ التحرير والنضال. أعتقد أن كلا الكاتبتين قدّمتا قراءات تاريخية ملتزمة أخلاقياً في قالب روائي متماسك.


ريم جعفر تعرض كتابها في الخيمة الثقافية السودانية في مهرجان Muslim Fest مدينة ميسساجا. المصدر: صفحة ريم جعفر على الفيسبوك


كلمة أخيرة


تقييمي العام هو أن رواية "فم مليء بالملح" كتابٌ ممتاز؛ فهي جذابة، ذات حبكة متماسكة ومتطورة، وتُقدّم مدخلاً رائعاً لفهم تعقيدات السودان للقراء غير السودانيين. يكتسب هذا أهمية خاصة اليوم في ضوء الفظائع المروعة والحرب المدمرة التي يعيشها السودان. إنّ قصصاً كهذه تُتيح لنا نافذةً تُتيح للقراء غير السودانيين فرصة الاطلاع على جوانب متعددة من واقع الحياة السودانية، مما قد يُسهم، في تعزيز التفهم.


ثريا صالح

ثريا صالح كاتبة وباحثة ومحررة سودانية مقيمة في القاهرة. تدرس حاليًا للحصول على درجة الماجستير في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا من الجامعة الأمريكية بالقاهرة. تتناول كتاباتها الإسلام، والجندر، والثقافات الرقمية، والذاكرة، والمجتمع السوداني المعاصر. وقد نُشرت مقالاتها في العديد من المطبوعات والمنصات.