في مدينة صاخبة تتوالى فيها الأحداث المؤسفة في كل ساعة من كل دقيقة، يبرز لقاء شهري كملاذ للوحدة والأمل والمواساة. "بونا تيتو"، وهي عبارة تُترجم إلى "تعالوا، اشربوا القهوة"، تحمل في بساطتها رسالة عميقة عن التكاتف والتآلف. في أول يوم أحد من كل شهر، يُقام برنامج جذاب داخل مقر منظمة سيلي إينات الخيرية، يدعو الناس من مختلف أنحاء أديس أبابا للمشاركة في تجربة لا تُنسى. وعندما نخطو إلى القاعة التي يُنظم فيها البرنامج، نكتشف تجربة تتجاوز الحدود الثقافية، ونشهد ثمار العمل النبيل، ونُشعل شرارة أمل في قلوب جميع الحاضرين. هذا المقال رحلةٌ تمتد من قلب البرنامج إلى جوهر المنظمة، ثم تعود مجدداً، داعيةً كل قارئ ليكون جزءاً من مجتمع من المتطوعين يترك أثراً إنسانياً لا يُمحى.

الشعار الرسمي لمنظمة سيلي إينات. المصدر: موقع المنظمة على الانترنت
برنامج “بونا تيتو”
في قلب أديس أبابا، يوحّد برنامج يُعرف باسم "بونا تيتو" الأرواح بهدوءٍ من مختلف فئات المجتمع. ففي أول أحد من كل شهر، يجتمع أفراد من خلفيات متنوعة تحت سقف منظمة سيلي إينات الخيرية. هناك، يتشاركون الطعام، ويتبادلون القصص، والأهم من ذلك، يستمتعون بفنجانٍ من القهوة، وهو تقليد يتجاوز الثقافات ويُعد رمزاً للوحدة في إثيوبيا.
بونا تيتو ليس مجرد فعالية؛ بل هو احتفال بالإنسانية وتذكير بها في آنٍ واحد. يتقاطر المتطوعون من مختلف أرجاء المدينة إلى هذا اللقاء، حاملين معهم تجاربهم الخاصة، ومتشاركين دروس حياتهم. ومن بين الحضور أخصائيون نفسيون، ورياضيون، وفنانون، وطلاب، ورجال أعمال، بل وحتى شخصيات بارزة مثل العداء هايلي جيبرسيلاسي، والفنان بيروك يشيتِيلا، والموسيقي غاش أبيرا مولا.

أطفال المنظمة يتلقون حملة تبرعات عبر موقع GoFundMe. المصدر: GoFundMe
يتضمن الحدث باقة مميزة من الأنشطة، بدءاً من العروض المسرحية والرقصات، وصولاً إلى قراءات الشعر ومزادات الأعمال الفنية التي يعود ريعها لصالح منظمة سيلي إينات الخيرية. وتشهد هذه الأنشطة على قوة الفن والثقافة في تعزيز القيم الإنسانية. ومن أكثر المشاهد إلهاماً شهادات الحياة التي يرويها الأيتام الذين نشؤوا في كنف رعاية المنظمة المحبة. فقصصهم شهادة حيّة على الأثر التحويلي للرحمة والمحبة.
منظمة سيلي إينات الخيرية: النشأة، الخدمات، والهدف
في صميم روح بونا تيتو تقف منظمة سيلي إينات الخيرية، التي تأسست عام 2002 في وقتٍ كانت فيه موجة فيروس نقص المناعة (HIV) المدمّرة تودي بحياة عددٍ لا يُحصى من الأمهات، تاركات أطفالهن بلا معيل. ويعكس اسم "سيلي إينات"، الذي يعني "من أجل الأمهات"، رسالة المنظمة في أن تكون حضناً حانياً للأطفال الذين فقدوا أمهاتهم.
تعتمد المنظمة نهجاً متعدد الجوانب يشمل برامج الكفالة، وجهود إعادة الدمج، والرعاية البديلة، وتمكين الأسر، والرعاية المؤسسية. وهو جهدٌ شامل يهدف إلى تقديم الدعم الفوري، إلى جانب حلولٍ طويلة الأمد للأطفال الضعفاء والمتضررين وأسرهم.

جانب من فعاليات الاحتفال بأعياد الكريسماس. المصدر: صفخة المنظمة على الفيسبوك
ولا يقتصر عمل منظمة سيلي إينات الخيرية على توفير المأوى والغذاء؛ فهي من بين أبرز المنظمات غير الحكومية التي تقدم برامج أساسية للوقاية من فيروس نقص المناعة/الإيدز ومكافحته، إلى جانب الدعم الاجتماعي والنفسي. أما الفعاليات مثل يوم المياه ويوم أفريقيا، فهي ليست مجرد احتفالات تُقام في المنظمة، بل فرص للشفاء والنمو وصناعة ذكريات تدوم طويلاً.
تقدّم المنظمة حالياً مأوى لأكثر من 30 طفلاً، كان 23 منهم بحاجة إلى رعاية خاصة وقت إجراء المقابلة، مما يجعل رسالتها أكثر أهمية من أي وقت مضى. ويُعدّ "بونا تيتو"، اللقاء الشهري الذي يجسر الفجوات بين فئات المجتمع، بوابة لتغيير طريقة تفكير المجتمع. فهدفه الأسمى هو تحويل الحاضرين إلى سفراء للقضية، وتشجيعهم على دعوة وجوه جديدة للمشاركة في الفعالية التالية. إن هذا الفعل القائم على المشاركة يعكس جوهر منظمة سيلي إينات الخيرية نفسها – تأثيراً متسلسلاً من اللطف والرحمة يمتد أثره إلى ما وراء جدرانها ليصل إلى حياة الكثيرين.

ملابس أطفال رُضّع مغسولة معلّقة على حبل خارج غرفة اللعب مباشرةً. المصدر: منظمة سيلي إينات
دعوة للجميع
بينما تمتزج رائحة القهوة الطازجة بضحكات الألفة والصداقة في "بونا تيتو"، تتجلى بوضوح الغاية من إقامة هذا البرنامج في تجسيد تطلعات المنظمة ونشر رسالتها. إنها دعوةٌ للعمل تتردد في الأرجاء، تدعو القرّاء للانخراط في هذه الرحلة التحويلية. دعوةٌ لأن تكون جزءاً من الرسالة النبيلة لمنظمة سيلي إينات الخيرية، وأن تمد يدك لمن يعيدون كتابة قصص الأطفال الأكثر هشاشة، وأن تعيش سحر "بونا تيتو" بنفسك. إنها دعوةٌ لارتشاف ليس فقط فنجان قهوة، بل دفء الإنسانية المشتركة.
لذا، ومع صدور النداء، تذكّر: "نو، بونا تيتو – تعالوا، اشربوا القهوة، وغيّروا حياة الأخرين."