الصور بعدسة نورالدين أبي
تمثل قرية كول كاداي في إقليم مارودي جيح مثالاً واضحاً على كيفية تلاقي التأثيرات العالمية والإقليمية للتغير المناخي على المستوى المحلي. تقع القرية على بُعد نحو 40 كيلومتراً من هرجيسا بالقرب من الحدود بين صوماليلاند وإثيوبيا، ويُقدّر عدد سكانها بحوالي 6,000 نسمة موزعين على حوالي 1,000 أسرة. ويعتمد اقتصاد القرية بشكل أساسي على الرعي، حيث يعتمد نحو 85% من الأسر اعتماداً كاملاً على تربية الماشية، بينما تمارس النسبة المتبقية، البالغة 15%، أنشطة زراعية رعوية. وتتسم الحياة المجتمعية بروابط اجتماعية قوية وتقاليد مشتركة وآليات تكافل وتعاون لمواجهة موجات الجفاف المتكررة وندرة المياه وتقلب أوضاع المراعي، وذلك تحت إشراف شيخ القرية ولجنة مجتمعية يتم تعيينها من خلال الإدارة المحلية.
ومع ذلك، فقد دفعت الآثار المتسارعة للتغير المناخي قدرة المجتمع على الصمود إلى أقصى حدودها. فقد تسببت موجات الجفاف المتكررة والتدهور البيئي في منطقة كول كاداي في خسائر كبيرة للثروة الحيوانية، مما أضعف سبل العيش الرعوية وهدد الأمن الغذائي للأسر. ومع جفاف المراعي واختفاء مصادر المياه، اضطرت العديد من الأسر إلى النزوح بحثاً عن مقومات البقاء. وقد ترتبت على هذا النزوح آثار عميقة على تعليم الأطفال.
وخلال زيارة ميدانية للمدرسة في سبتمبر 2025، أفاد مدير المدرسة، السيد عبدالرزاق، بأن عدد الطلاب المسجلين انخفض من 80 طالباً إلى 35 طالباً فقط، بعد أن غادر 45 طفلاً مع أسرهم إلى مناطق أخرى. ويجسد كل مقعد فارغ قصة طفل انقطع عن التعليم بسبب الجفاف والنزوح، كما يعكس معاناة مجتمع يسعى للحفاظ على مستقبله في ظل ظروف متزايدة الصعوبة وعدم اليقين. وفي قرية كول كاداي، لم يعد التغير المناخي مجرد تهديد نظري أو مستقبلي، بل أصبح أزمة حقيقية ومباشرة تعيد تشكيل سبل العيش، وتعطل العملية التعليمية، وتهدد فرص الأجيال القادمة.
بانكا كول كاداي: شريان الحياة لسبل العيش الرعوية
تُعد منطقة بانكا كول كاداي إحدى أبرز المعالم الطبيعية المميزة في القرية. وتمتد هذه المنطقة الواسعة على مساحة تُقدَّر بنحو 15 إلى 20 كيلومتراً مربعاً، وتتميز بتربتها الخصبة التي تجعلها بيئة مثالية لرعي الماشية ونمو أنواع متعددة من النباتات الطبيعية. وخلال موسم الأمطار، تشهد المنطقة تحولاً ملحوظاً، حيث تكتسي بالأعشاب الخضراء الكثيفة وتزدهر النباتات المتنوعة، مما يخلق مشهداً طبيعياً خلاباً يعكس جمال المنطقة وقدرتها الإنتاجية. وتُشكل هذه الأراضي مورداً حيوياً للمجتمعات الرعوية المحلية، إذ توفر المراعي الضرورية للحفاظ على الثروة الحيوانية التي تمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد المحلي وسبل المعيشة في القرية.

تدمير البيئة وتدهورها في ظل تغير المناخ - مراعي كول كاداي - سبتمبر 2025
تقع المراعي الرعوية في بانكا كول كاداي، في مقاطعة سالاكسالي بصوماليلاند، وهي منطقة عريقة في التاريخ والتراث. وكانت تُدار في السابق كمراعٍ محمية تُعرف محلياً باسم "سيرو، تحت إشراف الحكومة المركزية الصومالية. وكان الوصول إلى هذه المراعي مقيداً عمداً وخاضعاً لرقابة دقيقة، مما أتاح للأعشاب فرصة التجدد والحفاظ على خصوبتها. كما تعاون القادة المحليون مع الحكومة لضمان تمكين الرعاة من الاستفادة من هذا المورد الحيوي خلال مواسم الجفاف القاسية، عندما يندر العشب والماء.

مراعي كول كاداي خلال موسم الأمطار 2024. المصدر: فيسبوك
تدهور بانكا كول كاداي
كانت بانكا كول كاداي، التي تمتد على مساحة تتراوح بين 15 و20 كيلومتراً مربعاً تقريباً، أكثر من مجرد أرض؛ بل كانت شريان حياة. فقد وفرت تربتها الخصبة ونباتاتها الخضراء الكثيفة ملاذاً مهماً للرعي خلال موسم الجفاف للرعاة، وساعدت في الحفاظ على الثروة الحيوانية التي كانت تشكل أساس بقاء المجتمع واقتصاده وهويته الثقافية.
وعلى مدى أجيال، دعمت هذه المراعي نمط الحياة التقليدي، وضمنت استمرارية سبل عيش الرعاة حتى خلال فترات الجفاف. إلا أن انهيار الحكومة المركزية الصومالية في أوائل تسعينيات القرن الماضي شكّل تحولاً عميقاً. ومع ضعف هياكل الإدارة الرسمية، بدأت الأعراف واللوائح المجتمعية التي كانت تنظم الاستخدام المستدام للأراضي في التفكك. وواجهت هذه المراعي العزيزة تحديات غير مسبوقة، واستسلمت لضغوط الرعي الجائر. وأدى التنقل غير المنضبط للماشية إلى انخفاض حاد في الغطاء العشبي وتدهور تدريجي لهذا النظام البيئي الذي كان مزدهراً في السابق، مما هدد سبل العيش التي كان يدعمها عبر أجيال عديدة.
ويُبيّن هذا المسار التاريخي أن مناطق الرعي الوحيدة المتاحة للعديد من المجتمعات في أرض الصومال، ولا سيما في منطقة مارودي جيكس، تتعرض للاضطراب بشكلٍ متكرر خلال موسمي الأمطار والجفاف. مع اضطرار العائلات للهجرة بحثًا عن المراعي، غالبًا ما تنشأ توترات مع المجتمعات المجاورة، بما في ذلك سكان قرية كول كاداي، مما يُبرز مدى الترابط الوثيق بين التغير البيئي والحوكمة والديناميات الاجتماعية.
التحديات والقضايا في قرية كول كاداي
في كول كاداي والمناطق الرعوية المحيطة بها في صوماليلاند، يعمل التغير المناخي وموجات الجفاف المتكررة تدريجياً على محو نمط حياة تقليدي. وخلال العقد الماضي، ازدادت وتيرة الجفاف، وتسببت مواسم الجفاف الطويلة في تدهور شديد للمراعي وموارد المياه، مما جعل الأراضي الرعوية التي كانت منتجة في السابق قاحلة وغير موثوقة. وتواجه الأسر الرعوية التي كانت تعتمد على التنقل والأمطار الموسمية الآن مواسم مطرية فاشلة وندرة مزمنة في المياه، مما يؤدي إلى خسائر كبيرة في الثروة الحيوانية وانخفاض الدخل الناتج عن المنتجات الحيوانية (تقييم مناخ أرض الصومال، 2020؛ FSNAU/FEWS NET، 2023).
وخلال أحدث دورة جفاف طويلة امتدت من عام 2020 إلى عام 2023، انخفضت أعداد القطعان المملوكة للأسر في العديد من المناطق الرعوية والزراعية الرعوية بشكل حاد؛ حيث تراجعت أعداد الماعز والأغنام بنسبة وصلت إلى 30-35٪ دون المستويات الأساسية، كما انخفضت أعداد الإبل والأبقار بشكل كبير نتيجة النفوق وعمليات البيع الاضطرارية الناجمة عن نقص المراعي والمياه.
وفي العديد من الأسر، انهار إنتاج الحليب، الذي كان في السابق مصدراً ثابتاً للتغذية والدخل النقدي، بسبب ضعف الحيوانات، وانخفاض أعداد المواليد، وتأثير ندرة المياه على الحالة الجسدية للحيوانات وإدرار الحليب. ويدفع فقدان هذه الأصول الحيوانية الأسر إلى بيع ما تبقى لديها من حيوانات بأسعار منخفضة فقط لشراء الغذاء الأساسي أو دفع تكاليف المياه، مما يؤدي فعلياً إلى تصفية مدخراتها وشبكة الأمان الخاصة بها.

تأثير تغير المناخ على مراعي كول كاداي، أغسطس 2024. المصدر: فيسبوك
التغير المناخي وفقدان الهوية الرعوية
أفادت استطلاعات رأي مجتمعية في أرض الصومال أنه خلال ذروة موجات الجفاف الأخيرة، فقدت ما يصل إلى 60% من الأسر معظم أو كل مواشيها، مما أجبر الكثيرين على الهجرة أو الانتقال إلى ضواحي المدن حيث يقيمون مع أقاربهم أو يسكنون في مساكن مؤقتة.
يعود البعض عند هطول الأمطار أو وصول المساعدات إلى القرية، على أمل إعادة بناء ما فقدوه، ليجدوا أن الأمور قد تغيرت إلى الأبد. يتذكر أحمد، وهو راعي صومالي من قرية قول كاداي، معاناته خلال موجة جفاف حديثة قائلاً: "نعتمد على الماشية، وإذا ضعفت الحيوانات، فلن يبقى ما يعيدنا إلى سابق عهدنا. الأرض تبدو خاوية، وكذلك قلوبنا".
حتى أولئك الذين يتمكنون من الوصول إلى مناطق أكثر أماناً يختارون أحياناً عدم العودة. نيمو، وهي راعية استقرت بالقرب من إحدى المدن بعد أن فقدت معظم ماعزها، شرحت هذا الخيار المؤلم قائلة: "لو استطعت الحصول على بعض الماعز، لعدتُ إلى الرعي. لا أشعر بالراحة لوجودي في مستوطنة. لقد فُرضت عليّ. لا أرغب في ذلك أبداً".
كثيرون لا يعودون أبداً. فبدون القطعان، لا يمكن استئناف الحياة الرعوية، وتصبح البلدات التي توفر العمل المؤقت أو الإغاثة ملاذاً دائماً. يقول محمد، واصفاً كيف تُقوّض مواسم الجفاف المتكررة نمط حياته، بصراحة: "هناك موجات جفاف متكررة في بلادنا، والمناخ غير مستقر، لذا لم يعد نمط الحياة الرعوية التقليدي مستداماً".
لا يؤدي هذا الصراع المستمر إلى صدمات اقتصادية فحسب، بل إلى خسائر عاطفية فادحة نتيجة فقدان الحيوانات العزيزة، التي تُمثل أكثر من مجرد مصدر دخل. ففي المجتمعات الرعوية، تحمل الماشية أهمية ثقافية عميقة: فهي رموز للثروة والمكانة الاجتماعية والهوية. وتُعد الأبقار والماعز والإبل أساسية في مفاوضات الزواج والالتزامات الاجتماعية ومكانة المجتمع. لذا، فإن فقدان الحيوانات لا يُمثل خسارة مالية فحسب، بل يُمثل أيضاً ضربة قاسية للكرامة الشخصية والاجتماعية، ويُقوّض النسيج الثقافي الذي يربط المجتمع.
أما من الناحية الاقتصادية، فالأثر مدمر بنفس القدر. تُعدّ الثروة الحيوانية المصدر الرئيسي للغذاء والدخل والادخار، وتعتمد الأسر على الحليب واللحوم وبيع الحيوانات لتغطية الرسوم الدراسية والرعاية الصحية والنفقات اليومية. وعندما تُباد القطعان بسبب الجفاف أو الأمراض أو النزاعات، تُجبر الأسر على العمل المؤقت أو الاعتماد على المساعدات أو الهجرة إلى المدن، مما يُهدد سُبل العيش الرعوية التقليدية. ويخلق هذا المزيج من فقدان التراث الثقافي والانهيار الاقتصادي حلقة مفرغة من الهشاشة، حيث يكافح المجتمع للتعافي، وقد يضطر الأطفال إلى ترك الدراسة، وتتعرض المعارف التقليدية المتعلقة بالرعي وإدارة الأراضي لخطر الاندثار.
وقد أدى تدفق المهاجرين من إثيوبيا عام 2022، بحثاً عن مراعي، إلى تفاقم التنافس على هذه الموارد الشحيحة أصلاً. وبينما لا يزال العدد الدقيق للوافدين من الجانب الإثيوبي غير موثق، إلا أن الآثار واضحة: فقد أجبر تغير المناخ الرعاة على جانبي الحدود على تبني تحركات متزايدة التكرار وغير متوقعة، مما أعاد تشكيل حياة وسبل عيش مجتمعات بأكملها. وقد ازدادت هذه الحركة في السنوات الأخيرة مع استمرار تفاقم أزمة المناخ والجفاف في القرن الأفريقي. قد يؤدي الصراع من أجل البقاء في ظل الظروف البيئية المتغيرة إلى تصاعد النزاعات، حيث تتنافس الجماعات المختلفة على المراعي المحدودة.
ندرة الموارد ونزاع هجرة الرعاة
في أرض الصومال، تُبرز الاشتباكات القبلية في قرية علي شهيد بمنطقة توغدير، والتي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى قبل تدخل الحكومة لإعادة السلام إلى مدينة بوراو عام 2023، الحاجة المُلحة إلى استراتيجيات فعّالة لإدارة الموارد وحل النزاعات.
أرض الصومال: الحكومة تُنهي المناوشات الأخوية بين قبيلتي علي شهيد
تجلّت عواقب تدهور المراعي، لا سيما في مناطق مثل بانكا كول كاداي، بطرق مُقلقة مُتعددة. وقد أدى هذا التدهور إلى تحديات بيئية كبيرة، بما في ذلك فقدان التربة الخصبة، وتغيرات في تكوين المراعي، وزحف التصحر. وتُفاقم عوامل مثل تغير المناخ وتزايد حركة المجتمعات الرعوية هذه المشكلات، مما يُضاعف الضغوط على الأرض ويُخل بالتوازن الدقيق للنظام البيئي.
يواجه مجتمع كول-كاداي المضيف تحديات متزايدة مع تزايد الضغط على المراعي المحيطة نتيجة لهجرة الرعاة. وقد أدى وصول مجموعات جديدة مدفوعة بالجفاف ونفوق الماشية والبحث عن المراعي الشحيحة إلى اشتداد المنافسة على الموارد الأساسية كالماء والعشب. هذه الموارد، التي كانت كافية في السابق لإعالة المجتمع، أصبحت محدودة بشكل متزايد بسبب تغير المناخ والاستخدام المفرط.
خلال إعداد أطروحتي للدكتوراه في سبتمبر 2025، بصفتي الباحث نور الدين، أعرب لي كبار السن عن قلقهم البالغ إزاء الضغط المتزايد على المراعي. وتحدثوا بصدقٍ هادئ، واصفين كيف أدى التنقل المستمر لجماعات الرعاة إلى المنطقة إلى توتر العلاقات بين المجتمعات. وأوضحوا بحزن أن التدفق غير المنتظم وتنقل الجماعات المختلفة غالباً ما يُفاقم التوترات بشأن الموارد الطبيعية المتضائلة التي يعتمد عليها الجميع.
وأكد أحد كبار السن: "هذا النوع من التنقل يجلب معه تحديات جمة. فالناس في حالة يأس، وعندما تقل الموارد، يمكن أن تتحول الخلافات بسرعة إلى صراع". ووفقاً للمجتمع، فقد تصاعد التنافس على المراعي والمياه في بعض الأحيان إلى ما هو أبعد من مجرد خلافات بسيطة، مما أدى إلى اندلاع أعمال عنف وخلافات بين المجتمعات المضيفة والرعاة المهاجرين. وبالنسبة لقرية كول-كاداي، التي تعاني أصلاً من جفاف حاد وتدهور في سبل العيش، تُضيف هذه الصراعات طبقة أخرى من المعاناة، مما يزيد من هشاشة الأسر التي تحاول البقاء على قيد الحياة في بيئة تزداد هشاشة.
الجفاف، وندرة المياه، ودورة النزوح القسري
على نحو مماثل، تأثرت منطقة كول-كاداي بشدة بانخفاض هطول الأمطار خلال المواسم الأخيرة، وهو نتيجة حتمية لتغير المناخ المستمر. وقد أدى انخفاض هطول الأمطار إلى جفاف العديد من مصادر المياه الطبيعية التي كانت تعتمد عليها المنطقة، مما جعل الأسر تكافح لتأمين ما يكفي من المياه للأفراد والماشية. ومع تقلص مساحات المراعي ونضوب الآبار، تكبدت المنطقة خسائر فادحة في الماشية، مما أدى إلى إضعاف مصدر دخلها الرئيسي وأمنها الغذائي.
كما أدت هذه الظروف القاسية إلى زيادة النزوح والهجرة. فقد اضطرت العديد من العائلات، غير القادرة على البقاء على الموارد المحلية المتضائلة، إلى الهجرة بحثاً عن مناطق توفر وصولاً أفضل إلى المياه والمراعي. يحيث ُشكّل هذا التنقل المستمر ضغطاً إضافياً على الموارد الهشة أصلاً، سواء داخل قرية كول كاداي أو في المناطق التي يرتادونها، مما يُفاقم التنافس والمعاناة في جميع أنحاء المنطقة.
تأثير تغير المناخ على سبل العيش
أدى تغير المناخ إلى فترات جفاف طويلة باتت تُشكّل تحدياً متكرراً لمجتمع كول كاداي وبلد أرض الصومال ككل. وقد نتج عن هذا النقص المستمر في هطول الأمطار ندرة حادة في المياه ومراعي الماشية، مما خلق عواقب وخيمة على سبل العيش المحلية. فيُكافح المجتمع، الذي يعتمد على الثروة الحيوانية في دخله، من أجل إعالة نفسه وحيواناته على حد سواء، في ظل استمرار الظروف القاسية في التأثير على نمط حياتهم. أصبحت المناظر الطبيعية التي كانت زاخرة بالحياة قاحلة، مما يترك العائلات في صراع دائم مع الطبيعة لتأمين سبل عيشها.
طلبت السيدة حليمة جامع عدم استخدام صورتها. وروت قصتها بمزيج من القوة والحزن. فبعد أن كانت تمتلك 500 رأس من الماعز والأغنام، لم يتبق لها سوى 50 رأساً بعد أن قضت سنوات من الجفاف المتكرر على معظم ماشيتها. كانت الظروف المناخية القاسية التي شهدها العام الماضي مدمرة بشكل خاص، تاركةً عائلتها في وضع هش وغير مستقر.
تحدثت حليمة بصراحة عن الخيارات الصعبة التي اضطرت لاتخاذها. فمع نفوق ماشيتها تقريباً، لم يعد بإمكانها الاعتماد كلياً على الرعي. لذا، اتخذت قراراً جريئاً، فافتتحت متجراً صغيراً في القرية لإعالة أسرتها وإعادة بناء سبل عيشها. تعكس تجربة حليمة كلاً من الأثر المدمر لتغير المناخ والصمود الملحوظ لنساء قرية كول-كاداي. تُظهر رحلتها كيف تدفع الضغوط البيئية العائلات إلى التكيف والابتكار وإيجاد سبل جديدة للبقاء في عالم سريع التغير.
خلال المقابلة، سلط قادة المجتمع الضوء على الصعوبات الجمة التي تواجه العائلات في كول-كاداي. فقد عانى الكثيرون من خسائر فادحة في الماشية نتيجة الآثار المتواصلة لتغير المناخ، إلى جانب ندرة حادة في المياه والمراعي. فبعد أن كانت العائلات تمتلك حوالي 280 رأساً من الماشية، أصبح لديها الآن في كثير من الأحيان أقل من 70 رأساً. هذا التراجع الحاد لا يؤثر على سبل عيشهم فحسب، بل يهدد نسيج حياتهم نفسه.
خلال مناقشات مجتمعية في قرية كول كاداي بتاريخ 10 سبتمبر 2025، كجزء من بحثي لأطروحة الدكتوراه حول آثار الصراع على الموارد الناجم عن تغير المناخ على ديناميكيات هجرة الرعاة في أرض الصومال، أعرب العديد من شيوخ المجتمع عن قلقهم البالغ إزاء الضغط المتزايد على المراعي. وتحدثوا بصدق عن كيف أدى التنقل المستمر لجماعات الرعاة إلى المنطقة إلى توتر العلاقات بين المجتمعات. وأوضحوا بحزن أن التدفق غير المنتظم وتنقل الجماعات المختلفة غالباً ما يزيد من حدة التوترات بشأن الموارد الطبيعية المتضائلة التي يعتمد عليها الجميع.
استجابة المجتمع: الصمود والابتكار

أرض رعي مغمورة بالمياه في كول-كاداي، أرض رعي، أبريل 2024. المصدر: فيسبوك
في قلب قرية كول كاداي، واجه المجتمع المحلي قسوة تغير المناخ بإبداع ومرونة ملحوظين. وانطلاقًا من حرصهم على حماية سبل عيشهم، توحد السكان لتطوير حلول مبتكرة من شأنها الحفاظ على بيئتهم وأسلوب حياتهم. فبنوا أنظمة تجميع مياه الأمطار، ما يضمن استمرار توفر المياه النظيفة حتى في فترات الجفاف. كما مكّنتهم الحاويات البلاستيكية البسيطة وغيرها من أساليب التخزين الذكية من الحفاظ على هذا المورد الثمين بكفاءة، وحماية أراضيهم من آثار التعرية. وقام المجتمع ببناء أحواض ترابية صغيرة، محولين التحديات إلى فرص للإدارة البيئية الرشيدة.
ولم تقتصر جهودهم على الماء والتربة فحسب، بل امتدت لتشمل الرعي المنظم، حيث حافظوا على مراعي صحية، ووازنوا بين احتياجات الماشية وقدرة الأرض على التجدد. وسعياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، أنشأ القرويون أسواقاً محلية، واستكشفوا أنشطة بديلة مدرة للدخل، ما خلق مسارات جديدة نحو الازدهار. وأصبح التعاون حجر الزاوية في نهجهم. نشأت تعاونيات زراعية محلية، عززت تبادل المعرفة والدعم المتبادل والقدرة الجماعية على الصمود في الزراعة. تروي هذه المبادرات مجتمعةً قصة مجتمع يرفض أن تُحدده المصاعب، مجتمع يتبنى الابتكار، ويحمي بيئته، ويبني مستقبلًا مستدامًا رغم تحديات تغير المناخ.
القيادة النسائية والتنويع الاقتصادي
في قرية كول-كاداي، يشهد المجتمع تحولاً هادئاً، تقوده في الغالب عزيمة النساء. فمع استمرار تحديات تغير المناخ في تهديد الثروة الحيوانية ودخل الأسر، أدرك المجتمع حاجته إلى سبل جديدة للبقاء والنمو. فبادرت النساء إلى العمل، وافتتحن متاجر صغيرة وأكشاكاً للباعة، مما أنعش سوق القرية. وفي الوقت نفسه، بدأ بعض المزارعين بتجربة البيوت الزجاجية، وزراعة الخضراوات الطازجة حتى في المواسم القاسية. أحدثت هذه التغييرات الصغيرة أثراً كبيراً. فقد باتت الأسر التي كانت تعتمد كلياً على الثروة الحيوانية تمتلك مصادر دخل إضافية. وساعدت الأموال المكتسبة من البيع والمتاجر الصغيرة والزراعة في البيوت الزجاجية الأسر على شراء الطعام وتأمين المياه، بل وحتى تغطية الرسوم الدراسية لأبنائها. بفضل هذه الجهود، أصبحت قرية كول-كاداي مثالاً قوياً على الصمود، مُظهرةً كيف يُمكن للمبادرات البسيطة التي يقودها المجتمع أن تُغيّر سُبل العيش وتُبثّ الأمل في نفوس العائلات التي تُواجه ظروفاً غير مستقرة.
وقد أنشأ مجتمع كول-كاداي نظام إنذار مُبكر مجتمعي من خلال اجتماعات داخلية تُعقد خلال التجمعات الاجتماعية في القرية. ووفقًا للمعلومات التي شاركها أفراد المجتمع خلال التقييم البحثي، فقد تلقوا أيضًا تدريبًا من منظمة دولية غير حكومية مثل منظمة أكشن إيد (ActionAid) في بداية هذه المبادرة.
وباعتبارهم مجتمعاً يعتمد على التواصل الشفهي، يتبادل سكان كول-كاداي المعرفة ويرفعون الوعي حول آثار تغيّر المناخ والسبل المُمكنة للتكيّف معه، جامعين بين الممارسات التقليدية والأساليب المُتقدمة مثل تقنيات الزراعة المُقاومة لتغيّر المناخ، وتجميع مياه الأمطار، والرعي التناوبي، والتنبيهات الجوية عبر الهاتف المحمول، والمشاركة في برامج تدريبية مجتمعية حول الرعي المُستدام.
حيث قال أحد سكان قرية كول-كاداي: "أصبحنا الآن أكثر استعداداً بعد أن تلقينا تدريباً حول تغير المناخ. فقد ساعد ذلك مجتمعنا على رفع مستوى الوعي وإنشاء نظام إنذار مبكر، لا سيما للاستجابة للجفاف ونقص الغذاء". كما أنشأ مجتمع كول-كاداي آلية لتلقي الملاحظات، باستخدام الهواتف والاتصالات المباشرة مع السلطات الإقليمية أو المحلية لتلبية احتياجات الدعم ومعالجة القضايا المتعلقة بالمناخ.
إضافةً إلى ذلك، يواصل المجتمع الاعتماد على المعارف والأنظمة المحلية، بما في ذلك تناوب مناطق الرعي، وبناء برك ترابية لحفظ المياه، وزراعة أشجار علفية مقاومة للجفاف، وتبادل بيانات الأرصاد الجوية من خلال التجمعات المجتمعية.
تسليط الضوء على المشروع: إعادة تأهيل المراعي في كول كاداي

أزمة المناخ وتأثيرها على مراعي كول كاداي - ديسمبر 2024
يمثل اتفاق الشراكة الأخير بين صندوق تنمية صوماليلاند (SDF) ووزارة تنمية الثروة الحيوانية خطوة مهمة إلى الأمام في مجال استعادة المراعي في بانكا كول كاداي. ومن خلال هذا التعاون، تم اختيار ما يقارب 10 كيلومترات مربعة من المراعي لتسييجها وحمايتها. ويهدف هذا المشروع إلى حماية المنطقة، وتعزيز التجدد الطبيعي للمراعي، وتقوية القدرة على الصمود في مواجهة التأثيرات المتزايدة للتغير المناخي. ومن خلال استعادة الغطاء العشبي وتحسين خصوبة التربة، يسعى المشروع إلى إحياء إنتاجية المراعي وتوفير فوائد طويلة الأجل للمجتمعات الرعوية التي تعتمد عليها.
ويجمع المشروع بين عدة مكونات مهمة تهدف إلى إعادة الحياة والفرص إلى بانكا كول كاداي. ويشمل إنشاء سد حفير كبير، وآبار سطحية، وغيرها من منشآت المياه الحيوية التي ستساعد المجتمعات المحلية على مواجهة موجات الجفاف المتكررة. كما يُخطط لإنشاء مدرسة جديدة للتدريب البيطري ومركز أبحاث للمناخ والثروة الحيوانية، مما يوفر مكانًا لتدريب المهنيين الشباب وإنتاج معارف جديدة تساعد في تحسين إدارة المراعي.
ويُعد تجديد مناطق الرعي عنصراً أساسياً آخر في المشروع. فمن خلال حماية الأراضي وإعادة تأهيلها، يمكن للأعشاب أن تنمو من جديد، وللتربة أن تستعيد عافيتها، وللثروة الحيوانية أن تجد المراعي التي تحتاجها. كما ستوفر برامج التدريب للمجتمعات الرعوية مهارات جديدة تتراوح بين أساليب الرعي المستدام وإدارة صحة الحيوانات، بما يضمن استعداد الأسر بصورة أفضل لمواجهة المواسم الصعبة.
وخلال فترات الجفاف، سيستفيد الرعاة في كول كاداي والمناطق المحيطة بها بشكل مباشر من المشروع، حيث سيتمكنون من الوصول إلى احتياطيات الأعلاف، والمياه النظيفة من سد الحفير والآبار السطحية، إضافة إلى خدمات علاجية بيطرية محسنة. وبالنسبة للعديد من الرعاة، يمثل هذا المشروع مصدر أمل وفرصة لحماية مواشيهم، والحفاظ على سبل عيشهم، وبناء مستقبل أكثر قوة وقدرة على الصمود.
وتُقدر التكلفة الإجمالية للمشروع بحوالي 6 ملايين دولار أمريكي، وفقاً لما أعلنه فخامة السيد عبدالرحمن محمد عبدالله "سيرو"، رئيس جمهورية صوماليلاند، خلال مراسم وضع حجر الأساس في سبتمبر 2025. ويمنح هذا المشروع أملاً جديداً لسكان كول كاداي وللمجتمعات الرعوية في مختلف أنحاء صوماليلاند، وخاصة في إقليم مارودي جيكس.
ومن خلال مبادرات مثل إعادة تأهيل المراعي، وتحسين الوصول إلى المياه، ودعم الإدارة المستدامة للثروة الحيوانية، يهدف المشروع ليس فقط إلى تعزيز سبل العيش الحالية، بل أيضاً إلى بناء قدرة طويلة الأمد على التكيف مع الجفاف والتغير المناخي. وعلى المدى البعيد، يسعى المشروع إلى تمكين المجتمعات المحلية بالمعرفة والبنية التحتية والاستراتيجيات التكيفية اللازمة لإدارة الموارد الطبيعية بصورة مستدامة، وتنويع مصادر الدخل، والحد من التعرض للصدمات البيئية، بما يضمن قدرة الأجيال القادمة على الازدهار رغم التحديات التي يفرضها المناخ المتغير.
آفاق القصة
تُبرز قصة كول كاداي حجم التحديات الكبيرة التي يفرضها التغير المناخي، كما تُظهر في الوقت نفسه القدرة الاستثنائية للمجتمع الرعوي على الصمود. فعلى الرغم من تكرار موجات الجفاف، وخسائر الثروة الحيوانية، وتقلص مساحات الرعي، استطاع السكان الاعتماد على معارفهم التقليدية، وممارساتهم المبتكرة، وجهودهم الجماعية من أجل البقاء والتكيف.
ويُكمل مشروع استعادة المراعي البالغة قيمته 6 ملايين دولار هذه الجهود المحلية من خلال توفير المياه، وإعادة إنعاش الغطاء العشبي، وتطوير البنية التحتية، وتقديم التدريب، وتعزيز الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، مما يدعم قدرة المجتمع على مواجهة الصدمات البيئية.
وتُظهر هذه القصة أهمية الجمع بين المعرفة المحلية والتدخلات الموجهة، مؤكدةً أن تقديم الدعم الفعّال للمجتمعات الرعوية يجب أن يعالج في الوقت نفسه استعادة النظم البيئية وتعزيز قدرة الإنسان على الصمود، من أجل حماية سبل العيش والحفاظ على الأمل في المستقبل.