مقدمة: احتفاء بالهوية الفنية لهرجيسا صوماليلاند
في قلب هرجيسا، المدينة التي عُرفت تاريخياً بلقب "هويقا فانكا" أي "حاضنة الفن في القرن الإفريقي"، انطلق مهرجان "فن-كيننا" للأفلام القصيرة والوثائقية ليعيد إحياء هذا اللقب العريق. لطالما كانت هرجيسا موطناً للفنون بجميع أشكالها، وهذه المرة يجد الفن السابع مساحته الخاصة. لم يأتِ المهرجان من فراغ، بل من إيمان عميق بأن السينما هي مرآة تعكس الواقع وتوثق التاريخ، لأن كل قصة مهمة في وقت مهم لإعادة تعريف المجتمع الصومالي نفسه بعيداً عن الصورة النمطية السائدة عنه، وفي محاولة إلى إعادة إبراز قصصهم التي كانت حبيسة الرواية الشفوية إلى قصص مرئية تعكس تجاربهم ومعاناتهم وآمالهم.
من حلم صغير إلى حدث ملهم
للعام الثاني على التوالي، يأخذ مهرجان "فن-كيننا" مكانه على الساحة الثقافية، بعد انطلاقة ناجحة ومبشرة في العام الماضي، والتي استمرت لثلاثة أيام فقط، شهدت المدينة فيها شغفاً ولهفة من جمهورها المتعطش للسينما، مما يؤكد على ضرورة وجود مثل هذه الفعاليات. هذا القبول الكبير هو ما دفع المنظمين لتقديم نسخة أكثر طموحًا هذا العام، فالمهرجان لا يستمر فقط لثلاثة أيام كالسابق، بل يمتد إلى 9 أيام كاملة من العروض والفعاليات المصاحبة. وهذا التوسع يعكس ثقة المهرجان في جمهوره المتزايد، ويؤكد على مكانته كحدث ثقافي رئيسي يستقطب جمهوراً أكبر وأكثر تنوعاً.

الهوية البصرية للمهرجان. المصدر: صفحة المهرجان على الفيسبوك
أهداف المهرجان: دعم المواهب المحلية والانفتاح على العالم
لم يقتصر دور المهرجان على عرض الأفلام فحسب، بل عمل على خلق حراك فني وتوعية ثقافية حقيقية. كان في صميم رؤيته تسليط الضوء على القصص الصومالية وإيصالها إلى العالم من خلال مجموعة متنوعة من الأفلام القصيرة، والوثائقيات، والأعمال الروائية التي تعكس ثراء الثقافة الصومالية وتنوعها والانفتاح على الثقافات الأخرى والتعلم منها.
إلى جانب ذلك، عمل المهرجان على خلق بيئة تفاعلية وداعمة لمجتمع السينما. فقد وفر مساحات للنقاش والحوار، مما أتاح لعشاق الأفلام والنقاد تبادل الأفكار حول صناعة السينما والتجارب الفنية المختلفة. والأهم من ذلك، كان المهرجان بمثابة حاضنة للمواهب الشابة، حيث قدم لهم فرصة ثمينة لعرض أعمالهم والحصول على التوجيه والدعم اللازم.
وعلى الرغم من هذا التركيز على الإنتاج المحلي، لم يتردد المهرجان في الانفتاح على العالم. فقد احتضن باقة واسعة من الأفلام الدولية من ثقافات ودول مختلفة، مما أضاف بعداً عالمياً للحدث، وسمح للجمهور المحلي بالاطلاع على أساليب وتقنيات سينمائية متنوعة، مما يثبت أن الفن لغة عالمية لا تعرف الحدود.
فعاليات ملهمة وضيوف استثنائيون

الممثل عمر عبدي في الندوة المصاحبة. المصدر صفحة المهرجان على الفيسبوك
تم تحقيق هذا الحراك الثقافي من خلال مجموعة من ورش العمل والندوات النقاشية التي استضافت خبراء ومختصين من داخل البلاد وخارجها. من أبرز هذه الندوات كانت تلك التي قدمها الممثل الصومالي العالمي عمر عبدي، بطل الفيلم الشهير "زوجة حفار القبور".
خلال الندوة، تحدث عبدي بصراحة عن التحديات والعقبات التي تواجه الحراك الفني والثقافي في المنطقة، مقدماً رؤية واقعية نابعة من تجربته المهنية، كما قدم نصائح ثمينة للشباب المهتمين بالعمل في المجال الفني، وشجعهم على المثابرة. كان تفاعله الإيجابي وتجربته مع أسئلة الحضور دليلاً على شغفه بدعم الجيل القادم من المبدعين، مما جعل الندوة تجربة ملهمة لا تُنسى.

تفاعل الجمهور مع ندوة الممثل عمر عبدي. المصدر: صفحة المهرجان على الفيسبوك
أيضاً تمت استضافة الكاتب المسرحي المخضرم عبد الرحمن يوسف عرتن، المعروف بعمق أعماله وتأثيرها في المشهد المسرحي الصومالي. أخذنا عرتن في رحلة فكرية لاستكشاف "الربط بين المسرح الصومالي وصناعة الأفلام المعاصرة"، وهو موضوع جوهري يطرح تساؤلات حول كيفية استفادة السينما اليوم من التراث المسرحي الغني. وقال إن إعادة تمثيل روائع المسرح القديم بروح العصر ليست مجرد استذكار للماضي، بل هي استحضار للتأثير التاريخي الذي تركه المسرح في القرن الإفريقي. ورغم العقبات التي تعترض طريق التحول من الخشبة إلى الشاشة في الصومال، يظل المسرح هو المنصة الأقوى؛ فهو لا يكتفي بالترفيه، بل يعيد صياغة الوعي المجتمعي ويفتح الأبواب للمبدعين لإظهار طاقاتهم.
يعد عرتن ضيفاً بارزاً في مجال الأدب المسرحي ومن أوائل الكتاب المسرحيين الأراضي الصومالية قبل الحرب الأهلية، وتسليط الأضواء على قيمة المسرح كقاعدة أساسية للفنون البصرية الأخرى. تعد هذه الندوة فرصة فريدة للتعمق في علاقة الفن المعقدة، والاحتفاء بالرواد الذين بنوا جسراً بين الماضي والحاضر.

الكاتب المسرحي المخضرم عبد الرحمن يوسف عرتن. المصدر: صفحة المهرجان على الفيسبوك
سينما المهجر
فيلم "balwo" من أفضل الأفلام التي لاقت استحسان الجمهور للمخرج محمد شيخ، يضعنا الفيلم في مواجهة مباشرة مع صدام الأحلام والواقع؛ فبينما يسعى الابن الشاب لتأليف معزوفته الخاصة، يقف الأب حائلاً أمام هذا الطموح، معتبراً أن الحياة في المهجر تتطلب مهناً ملموسة تضمن البقاء. إنه استكشاف سينمائي عميق للعلاقة بين الأب والابن، وللتحديات التي تواجه المهاجرين في الموازنة بين الأمان المعيشي والتحقق الإبداعي.
الفيلم يبرز أن المشكلة ليست في غياب الحب، بل في فشل الترجمة. الأب يعبر عن حبه بالمنع والخوف (حرصاً على مستقبل ابنه)، بينما يترجم الابن هذا المنع كرفض لشخصه وكيانه الإبداعي. الصراع هنا ليس بين "شر وخير"، بل بين "حق وحق".
قوة فيلم "Balwo" تكمن في أنه يجعلنا نتعاطف مع "خوف الأب" بقدر ما نتحمس لـ"شغف الابن"، واضعاً إيانا في قلب المأساة الإنسانية التي يعيشها كل بيت مهاجر. وهي مشكلة حقيقية بالنسبة للأب، حيث يرى أن المهجر ساحة معركة من أجل البقاء، والابن يراها مساحة للحرية. المخرج محمد الشيخ أبدع في نسج هذه الحبكة مما لاقى استحسان الجمهور.

فيلم Balwo للكاتب محمد الشيخ. المصدر: صفحة المهرجان على الفيسبوك
إبداع نسائي
لقد أبدعت السينما الصومالية في المهجر، وعرضت العديد من الأفلام القصيرة المميزة، التي برزت بفضل إخراج مخرجات صوماليات موهوبات. وقد لاقت هذه الأعمال استحساناً كبيراً، خصوصاً في هيرجيسا، حيث تألقت أفلام مثل "henna stain" و"a story left behind" و"lifeline". هذه الأفلام لم تكن مجرد أعمال فنية عابرة، بل كانت بمثابة بصمة مؤثرة في المشهد الفني الصومالي إذ أظهرت قدرة المبدعات على تقديم قصص عميقة ومبتكرة تعكس الواقع والتراث الصومالي بطريقة جديدة ومؤثرة.
على سبيل المثال في فيلم "henna stain" للمخرجة نعمو يوسف، وصفت المشاهدة هدى أنه كشف عن فجوة لغوية وثقافية يعاني منها جيل الجديد من الصوماليين مع أهاليهم الذين يجدون صعوبة في ترجمة الأمثال الشعبية الصومالية العميقة، ومدى تأثير هذه الفجوة الثقافية خاصة في المراجعات الطبية والحياة اليومية مما يخلق تباعد ثقافي بين الأبناء وأهاليهم.
والفيلم الوثائقي "a story left behind" للمخرجة أسماء كادييه الذي يحكي قصصاً متفرقة لأول امرأة صومالية في شيفيلد، وعبر عملية إحياء سينمائية لذكراها، يتحول الفيلم من مجرد سيرة ذاتية إلى بيان فكري يطرح تساؤلات وجودية: من الذي يقرر أي القصص تستحق البقاء؟ ومن يملك السلطة الأخلاقية لرسم ملامح الراحلين؟ إنه عمل يحتفي بالحضور رغم الغياب، ويعيد تعريف مفهوم "الأحقية" في رواية التاريخ.

الافلام النسائية المشاركة في المهرجان. المصدر: صفحة المهرجان على الفيسبوك
في خطوةٍ سبقت حفل الختام، تولّت لجنة التحكيم الخارجية مهمة فرز وتقييم الأفلام المشاركة في المهرجان، الذي ركّز بشكلٍ أساسي على حقوق الإنسان. وبعد مراجعةٍ دقيقةٍ للأعمال، قررت اللجنة منح الجوائز الثلاث الرئيسية للأفلام التالية:
المركز الأول: ذهب إلى فيلم "سيسار" من أفغانستان للمخرج محمود شريف، والذي تناول بشكلٍ مؤثر حق الفتيات في التعليم.
المركز الثاني: فاز به فيلم "الازار" من إثيوبيا للمخرج بيزا هايلو، الذي سلّط الضوء على قضية الحق في حياةٍ كريمة.
المركز الثالث: كان من نصيب فيلم "1420" من المملكة العربية السعودية للمخرجة أروى سالم، والذي قدّم قصةً قوية عن الحق في الحرية.
كما منحت اللجنة إشادةً خاصة لفيلم "بعد ذلك لن يحدث شيء" من السودان للمخرج إبراهيم عمر، معتبرةً إياه عملاً مميزاً في استعراضه لقضية الحق في الكرامة. وعلى خلاف اختيار لجنة التحكيم، ذهبت جائزة الجمهور إلى الفيلم الفلسطيني "وُلدت مشهوراً" للمخرج لؤي عوّاد. يروي الفيلم بأسلوبٍ كوميدي جذاب قصة كامل، الشاب الذي يبحث عن حريته وخصوصيته في مجتمعه الفلسطيني الصغير والمحافظ. وقد لاقت هذه القصة صدىً واسعاً لدى الجمهور، خاصةً أنها لامست موضوعاً مشتركاً مع المجتمع الصومالي المحافظ، وهو غياب الخصوصية في المجتمعات المغلقة.

ﺑوﺳﺗر ﻓﻠم "وﻟدتُ ﻣﺷﮭورا" ﻣﻊ ھوﯾﺔ اﻟﻣﮭرﺟﺎن اﻟﻣﺻدر: ﺻﻔﺣﺔ المهرجان اﻟﻔﯾﺳﺑوك
خاتمة: بصيص أمل في مستقبل السينما الصومالية
في ختام فعاليات مهرجان "فن-كيننا"، تتضح رسالة قوية مفادها أن السينما أكثر من مجرد ترفيه؛ فهي أداة فعّالة للتعبير، ونافذة على العالم، وحافز للتغيير. لقد نجح المهرجان في إعادة إحياء الهوية الفنية لمدينة هرجيسا، مؤكدًا أن الفن لغة عالمية لا تعرف الحدود، وأن القصص المحلية تستحق أن تُروى وتُسمع.
إن التفاعل الكبير من الجمهور والمشاركين، والنجاح الذي حققه المهرجان في عامه الثاني، يبعثان الأمل في مستقبل مشرق للسينما الصومالية. وهو مستقبل يعتمد على المواهب الشابة، ويحتضن التنوع، ويفتح باب الحوار مع الثقافات الأخرى، ليؤكد أن الإبداع قادر على تجاوز كل التحديات.

فريق عمل مهرجان"فن-كيننا". المصدر صفحة المهرجان على الفيسبوك
شكراً لفريق عمل "فن-كيننا" المميّز، الذي ساهم بكل إبداع وتفانٍ في إنجاح هذا المهرجان. تابعوهم على إنستغرام لتلقي تحديثاتهم والتعرف على الفعاليات القادمة.