هذا المقال متوفر أيضاُ باللغة English

جميع الصور من تصوير المؤلف


مع اقتراب موعد العودة إلى الجامعات في الخرطوم، يواجه الطلاب حالة من الترقب المشوب بالقلق، إذ تتزاحم في أذهانهم الأسئلة حول مستقبلهم الأكاديمي وحياتهم اليومية. فلم تعد العودة مجرد استئناف للدروس والمحاضرات، بل أصبحت حدثاً يتطلب الاستعداد والتأقلم مع واقع جديد فرضته الأزمة الممتدة في البلاد. حيث سيجد الطلاب أنفسهم أمام بيئة جامعية تختلف جذرياً عن تلك التي عرفوها قبل الحرب. فالكثير من الأبنية تضررت أو دُمّرت، وأعضاء الهيئة التدريسية غاب عدد منهم، سواء بالنزوح أو الهجرة، فيما تراجع الدعم الإداري والخدمات الأساسية. ورغم المصاعب، تبرز لدى الطلاب رغبة قوية في استعادة حياتهم الأكاديمية والدفاع عن حقهم في التعليم والانتماء، مدركين أن العودة لن تكون سهلة أو خالية من العقبات، وأن الوضع الحالي يفرض على إدارات الجامعات وصناع القرار تلبية مطالب حيوية تمثل أساساً في بيئة ما بعد الحرب.


فمنذ بداية الحرب الأهلية في أبريل ٢٠٢٣ بين الجيش السوداني (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، توقّف التعليم الجامعي في الخرطوم والكثير من المناطق، خاصة تلك الواقعة في مناطق القتال. شهدت الدولة أزمة إنسانية غير مسبوقة، إذ نزح أكثر من عشرة ملايين شخص داخليًا و4 مليون لاجئ خارج البلاد. أغلقت أكثر من ١٠٬٤٠٠ مدرسة نتيجة الصراع، مما ترك حوالي ١٩ مليون طفل خارج الدراسة، وأكثر من ٩٠٪ من الأطفال في سن التعليم محرومون من التعليم الرسمي. كما أفادت التقارير الأولية أن ما يزيد عن الست جامعات قد تعرضت إما لأضرار جسيمة أو دُمّرت عدد من مبانيها تماماً أو تم استهدافها بشكل مباشر أو تعرضت للسرقة على أسوأ تقدير.


كما أن التسجيل في الجامعات الحكومية وعدد من الجامعات الخاصة توقف تماما خلال فترة الحرب، وبالتالي توقفت العملية التعليمية بالكامل. وبحسب دراسة أجريت في أوائل عام ٢٠٢٥، فإن ما يزيد عن ال٦٤٪ من الأكاديميين و٥٢٪ من الطلاب تأثروا بالنزوح، مع انتقال عدد كبير منهم خارج السودان. كما عانى الطلاب من ضغوط نفسية شديدة، حيث أظهرت الدراسة ما يزيد عن ال٧٥.٣٪ معدل ضغوط نفسيّة مرتفع.


لم تضرر المباني وحدها جراء هذه الحرب، ففي اليوم الأول لقيام الحرب حُوصر ما يزيد عن ال 100 طالب داخل مباني جامعة الخرطوم لعدة أيام من غير طعام. الأمر الذي انتهى بمقتل أحد الطلاب المحاصرين وتم دفنه داخل الجامعة


الدمار الذي لحق بكلية اليرموك الجامعية، الخرطوم، مايو 2025


في ظل هذه الظروف، يجب أن تتزايد تطلعات الطلاب وتترسخ لديهم مجموعة من المطالب التي ستكون ضرورية لضمان عودة تعليمية ناجحة وعادلة. حيث إن هذه العودة لا تتعلق فقط بالجوانب الأكاديمية والمباني، بل يجب أن تأتي محمّلة بقائمة طويلة من المطالب التي ستكون مفتاح لإنقاذ مسارهم الأكاديمي وحماية مستقبلهم. وفيما يلي أهم ما يجب أن يتوقعه الطلاب.

 

أولا: أكاديمياً:


على مدى العامين الماضيين، مضت الجامعات في تدريس معظم المقررات، وخصوصاً العلمية منها، دون محتوى عملي يُذكر، إما تحت ضغط الظروف الأمنية أو بفعل ضعف الإمكانيات. والنتيجة ستكون فجوة واضحة جداً في مهارات الخريجين، خصوصاً في تخصصات تقوم على الممارسة والتجريب مثل الطب والهندسة والعلوم التطبيقية. ورغم ذلك، ظلّت العملية التعليمية تسير وكأن الأمر طبيعي، وكأن غياب المختبرات والمستشفيات ومواقع التدريب لا يمس جوهر التخصصات.


هنا يطرح سؤال نفسه بإلحاح: إذا كان من الممكن التخرج والحصول على الدرجة العلمية دون المرور بالمكوّن العملي، فهل هذا المكوّن كان حقاً أساسياً أم أنه ظل مجرد إجراء شكلي؟ وإذا كان أساسياً، فلماذا غاب دون أن تتوقف الشهادات عن الصدور؟


إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تقييماً دقيقًا لأهمية هذه المقررات، وتحديد ما إذا كانت جوهرية للتخصصات المعنية أو يمكن تطوير بدائل أكثر فاعلية لها. فالهدف هو ضمان أن تعكس المناهج احتياجات سوق العمل، وتزوّد الخريجين بالمهارات العملية الحقيقية التي يحتاجونها في بيئات العمل الفعلية. ومن بعد ذلك يجب أن تقوم الجامعات بتعويض الطلاب -أو حتى الخريجين- بتدريب عملي مكثف، حتى لو استلزم ذلك إضافة فصل دراسي أو الاستعانة بجهات خارجية لسد هذه الفجوة في الجانب العملي. 


كلية الهندسة - جامعة الخرطوم، الخرطوم، مايو 2025


وإلى جانب التحديات الأكاديمية المباشرة، يظلّ هاجس استمرارية الصراع في السودان حاضرًا بقوة، خاصة في بلد عُرف تاريخيًا بتكرار النزاعات وعدم الاستقرار. وحتى مع الرغبة في التفاؤل بشأن استقرار العاصمة، تبقى المخاطر قائمة. وفي حال تجدد القتال في الخرطوم، يجب أن يحرص الطلاب على امتلاك وثائق أكاديمية معترف بها دوليًا، تمكّنهم من مواصلة تعليمهم أو التقدم للدراسات العليا أو الوظائف خارج البلاد عند الضرورة. ويزداد الأمر إلحاحًا مع فقدان عدد كبير من الطلاب سجلاتهم الدراسية، جزئيًا أو كليًا، خلال السنوات الأخيرة نتيجة الدمار والنزوح.


هذه المعطيات تجعل من حفظ البيانات الأكاديمية وأرشفتها أولوية، ليس بغرض المحاسبة أو العقاب، وإنما لضمان عدم تكرار الكارثة، مع اعتماد نسخ احتياطية آمنة محليًا وخارجيًا. بعد ذلك، يمكن للجامعات بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي العمل على توفير وثائق بديلة ومعتمدة محليًا ودوليًا، تحاكي في وظيفتها ما أطلقته اليونسكو تحت مسمى "جواز المؤهلات"، وهي وثيقة تشبه جواز السفر، لكنها تمنح للطلاب اللاجئين والنازحين اعترافًا دوليًا بمؤهلاتهم الأكاديمية حتى في غياب المستندات الأصلية.


اعتماد مثل هذه الآليات في السودان لن يكون مجرد إجراء إداري، بل خطوة استراتيجية لحماية المسار الأكاديمي لجيل كامل من الطلاب، وتحويل التعليم العالي من منظومة هشّة أمام الأزمات إلى شبكة أمان تصمد أمام الصراع والنزوح، وتفتح أبواب الفرص في الداخل والخارج على حد سواء.


أيضا، فإن نظام القبول المركزي المعتمد على امتحانات الشهادة الثانوية الموحدة لم يعد ملائماً لمتطلبات الواقع الجديد، خاصة مع التباين الكبير بين أوضاع الولايات والمحليات من حيث الاستقرار الأمني، والبنية التحتية التعليمية، وفي ظل تعقيدات المشهد التعليمي بعد الحرب. بناءً على ذلك، تبرز الحاجة إلى دراسة خيارات أكثر مرونة في آليات القبول، مثل الإبقاء على النظام المركزي وامتحانات الشهادة الثانوية مع إدخال تعديلات تضمن العدالة وتراعي الظروف الاستثنائية، أو منح الجامعات الصلاحيات لإجراء امتحانات قبول خاصة بها، أو تبسيط إجراءات التسجيل والقبول للطلاب المتأثرين بالحرب والنزوح، بما يضمن تكافؤ الفرص للجميع.


أخيرا فيما يخص الجانب الأكاديمي، فإن فكرة الجامعات متعددة الفروع هي سياسة يجب اعتمادها في المستقبل القريب. ففكرة الجامعات متعددة الفروع تقوم على وجود جامعة رئيسية تتبع لها فروع أكاديمية وإدارية في مدن وولايات مختلفة، مع توحيد المناهج والمعايير الأكاديمية وتوزيع الموارد بشكل مركزي. ومن أبرز الأمثلة جامعة حلب في سوريا، التي تميزت خلال النزاع بوجود فروعها في مناطق خاضعة لسيطرة النظام وأخرى في مناطق خاضعة للمعارضة. فعلى سبيل المثال، ظل المقر الرئيسي في مدينة حلب تحت سيطرة النظام، بينما كانت هناك فروع في إدلب وريف حلب الشمالي تحت سيطرة المعارضة، وفروع أخرى في الحسكة والرقة في مناطق تباينت السيطرة فيها بين أطراف النزاع. هذا الانتشار في أطراف النزاع المختلفة أتاح للجامعة الاستمرار في تقديم التعليم عبر إعادة توزيع الطلاب والكوادر.


في السودان، يمكن تبني هذا النموذج بحيث تكون للجامعات الكبرى مثل جامعة الخرطوم فروع فعّالة في ولايات متعددة، بما يتيح مرونة في استيعاب الطلاب أثناء الأزمات، وتوزيع الضغط على المرافق، وتقليل تأثير النزاعات المحلية على استمرارية التعليم. حيثُ أصبحت الجامعات الإقليمية البعيدة نسبيا عن مناطق القتال الملاذ الوحيد لاستمرار العملية التعليمية في فترة الحرب. ومن الفوائد المتوقعة أيضًا تعزيز التنمية المتوازنة بين الأقاليم، وتوسيع فرص التعليم العالي للطلاب في المناطق الطرفية، وتقليل تكاليف الانتقال والسكن، مع الحفاظ على جودة موحدة للشهادات والمخرجات التعليمية. 


جامعة بخت الرضا، أحد الجامعات الإقليمية والتي استمرت بعد الحرب، النيل الأبيض، أبريل 2025

كما أن فترة الحرب قد أظهرت أهمية التعليم الإلكتروني، بالرغم من قلة فعاليته وجودته. ولتجاوز هذه الثغرات، يُتوقع أن تتجه الجامعات إلى تبنّي أنظمة تعلم إلكتروني احترافية، تتيح أرشفة المحاضرات وتوفيرها بشكل مسجّل، وتضم منصات تفاعلية للتواصل الأكاديمي بين الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، مع تدريب الكوادر الأكاديمية على استخدام هذه التقنيات بكفاءة. حيث، تعد جامعة السودان المفتوحة مثالاً على إمكانية المرونة الرقمية، إذ لديها العديد من المراكز الداخلية والخارجية للتعلم كما تعتمد أنظمة Moodle والمحاضرات المسجلة والتعليم عبر الراديو والتلفزيون. وفي العام الأكاديمي الأخير، أطلقت امتحانات نهائية رقمية في ٣٥ مركزاً داخل وخارج السودان باستخدام البنية التحتية الرقمية.


ثانياً: إدارياً وسياساتياً


قبل عودة الطلاب إلى جامعاتهم في الخرطوم، ستكون الحاجة ملحّة لإعادة تأهيل السكن الجامعي والمرافق الخدمية التي تعرض كثير منها للإهمال أو التلف خلال الحرب. فالتجربة الجامعية لا تكتمل دون بيئة سكنية آمنة وصحية، تضمن للطلاب الاستقرار النفسي والجسدي. ويتطلب ذلك تجهيز الداخليات بما يلزم من خدمات أساسية مثل المياه والكهرباء، مع توفير ضمانات واضحة من الجامعات على جودة هذه الخدمات.


بالإضافة إلى أن نجاح هذه العودة يعتمد أيضاً على توفر عدد كافٍ من أعضاء هيئة التدريس القادرين على تغطية المقررات الدراسية وتعويض الفاقد الأكاديمي، بما يضمن أن تكون العودة خطوة إلى الأمام، لا مجرد عودة شكلية إلى مقاعد الدراسة.


الدمار الذي لحق بأحد مكتبات جامعة الخرطوم، مايو 2025


إلى جانب ذلك، يلاحق الطلاب هاجس فرض رسوم إضافية، فهناك تخوّف واسع من أن تتحول العودة إلى عبء مالي أو أكاديمي، خاصة إذا فُرضت أعباء تعويضية عن فترة التوقف. ومن هنا، يصبح من الضروري أن تعلن إدارات الجامعات سياسات واضحة تحمي حق الطلاب في التخرج دون تكاليف أو متطلبات إضافية غير مبررة، مع وضع آلية شفافة للتظلّم.


كما أن عودة الدراسة لن تكون متساوية للجميع. فبين الطلاب من سيتأخر في العودة، أو لم يتمكن من المشاركة في التعليم الإلكتروني أو الامتحانات خلال الحرب. وهذه الحالات تتطلب استثناءات وحلولاً خاصة، مثل جداول زمنية مرنة، أو اختبارات بديلة، أو إعفاءات محددة من بعض متطلبات الحضور أو الرسوم. وفي هذا السياق، سيكون إدارات الجامعة والأساتذة مطالبين بقدر عالٍ من المرونة في التقييم، مع الحفاظ على معايير الجودة الأكاديمية، حتى لا يتحول التعاطف مع الظروف إلى تنازل عن المستوى العلمي المطلوب.


كما أن المرحلة الأولى من العودة للخرطوم، يمكن اعتماد نموذج تعليمي مدمج يجمع بين التعلم الإلكتروني والتعليم الوجاهي -على أرض الواقع، بما يراعي ظروف الطلاب غير القادرين على العودة حالياً إلى الحرم الجامعي، ويضمن لهم استمرار التحصيل الأكاديمي دون انقطاع.


ختاماً، كل هذه التوقعات لن تحدث إلا إذا تأكّد الطلاب بأن مطالبهم محققة وأن العودة عادلة للجميع، بلا استثناءات أو تمييز. ومن أجل ذلك، تزداد اليوم أهمية العمل النقابي والطلابي أكثر من أي وقت مضى، بوصفه الأداة الأبرز لضمان أن تكون قرارات العودة نابعة من مصلحة الطلاب لا من ضغوط سياسية. كما يظل الواجب الأول للأساتذة والمحاضرين هو الوقوف إلى جانب طلابهم، والتأكد من تحقق مطالبهم الأكاديمية والإنسانية، بعيداً عن الخضوع لإدارات أو سلطات سياسية قد تسعى لاستغلال عودة الدراسة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب واقع الجامعات واستعدادها الفعلي. لكن في المقابل، ستكون العودة عملية إصلاح شاملة إذا التزمت الجامعات وإداراتها بهذه التوقعات، ومن الممكن أن تتحول العودة إلى فرصة لإصلاح جذري للتعليم العالي في السودان، وبداية مرحلة أكثر مرونة واستجابة لاحتياجات الطلاب.


أحمد عبد السلام

أحمد عبد السلام باحث سوداني بخبرة تزيد عن خمس سنوات في مجال التعليم وإدارة المشاريع والبحث والتقييم. يركز عمله على سياسة التعليم والتنمية، وقد تعاون مع العديد من المنظمات غير الحكومية المحلية والإقليمية في القدرات المهنية والتطوعية. أحمد مؤلف كتاب "تعليم لجيل جديد: ماذا خسر السودان من لا مركزية الإنقاذ؟" ".