سياق تمهيدي
تقع الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان وعلى مقربة من الحدود الدولية المحاذية للهضبة الإثيوبية شرقا ويحدها من الجنوب والغرب دولة جنوب السودان مما يجعل محيط الدمازين منطقة تماس حيوي استراتيجياً وتجارياً مع دول الجوار، المدينة التي تشكلت أبرز معالمها الحالية حديثاً في ستينيات القرن الماضي كمعسكر للعمال والمهندسين أثناء تشييد سد الروصيرص الذي يبعد 16 كم، نشأت وسط بيئة غابية كثيفة كانت تُعرف في الموروث اللغوي المحلي باسم "الأمازينق" وبفضل موقعها الجغرافي الفريد في حزام السافانا الغنية، تتميز المدينة بمناخ مطير ومعتدل نسبياً يجعلها سوقاً رائدة لإنتاج الصمغ العربي والفواكه الاستوائية كالمانجو والليمون إذ يواجه هذا المركز الحضري والبيئي المتميز واقعاً قاسياً؛ حيث تسببت جولات النزاع المسلح المستمر قبل الحرب الحالية ذاتها في انهيار شبكات الخدمات الأساسية وانقطاع سلاسل الإمداد الغذائي مما وضع السكان في مواجهة مباشرة مع الغلاء الشديد ودفعهم لاستدعاء إرثهم المعرفي بالأرض لابتكار استراتيجيات بقاء محلية ترمم أمنهم الغذائي المفقود.
بينما تظل المدافع تعيد رسم حدود الجغرافيا بالحديد والنار في الإقليم كانت زينب غزالي تعيد رسم حدود فناء منزلها في حي السوق الشعبي بالدمازين ليس بالأسلاك الشائكة بل بأشجار الليمون والمانجو لتحول هذا الفعل من مجرد نشاط اقتصادي أو هواية ريفية ليصبح فعل مقاومة واستراتيجية بقاء ذكية في مواجهة نزاع أنهك القدرة الشرائية للمواطنين.

شقيق زينب الأصغر يسقي شتلات مانجو صغيرة في فناء منزلهم، ممسكًا إبريق الماء - المصدر: تصوير زينب 2026
تحت ظلال متقطعة يلقيها شريط النيل الأزرق على أرض أرهقها الصراع تقف زينب تراقب شتلاتها بخفة وتقطف ثمار المانجو والليمون الناضجة وهي تنبض بحياة أكبر من مساحة فناء منزلها الصغير وُلد هذا المشهد من رحم سنوات الحرب الطويلة بالإقليم حتى قبل الحرب الحالية حيث تغيرت علاقة الناس بالبيئة المحيطة فبالنسبة لزينب لا تُعتبر الأشجار مصدراً للغذاء فحسب بل هي رئة يتنفس من خلالها الأمل بين زخات الرصاص.

لقطة قريبة لثمار المانجو على أغصان شجرة منزل زينب بالدمازين وتفاصيل المنتجات الزراعية - المصدر: تصوير زينب 2026
"قبل الحرب كانت هذه الأرض مساحة عادية نزرعها عفوياً تهمس زينب وتضيف: "لكنها اليوم أصبحت شريان حياتنا في الأيام الصعبة وتعثر وصول الإمدادات خاصة مع ظروف الحرب وصعوبة الطرق التي تغمرها المياه في فصل الخريف كانت هذه الثمار هي ما يساعدنا على سد رمقنا وتحت ظلها وجدنا الملاذ حين انقطعت الكهرباء واشتد الهجير".
شكل الفناء بفعل الضرورة القاسية إلى خطة طوارئ يومية ترمم ما أفسده غياب خدمات الدولة بدأت زينب الزراعة المنزلية قبل عشر سنوات بشتلة مانجو واحدة لكنها مؤخراً أضافت شتلات جديدة لمواجهة الواقع الراهن.

سريران مفروشان تحت ظلال الأشجار داخل فناء منزل زينب مع زير للماء وحافظة، وأضواء الشمس تتسرب بين فروع الأشجار - المصدر: تصوير زينب 2026
تحت مقصلة النزاع: كيف تلتهم الحرب رئة الإقليم؟
خلف أسوار منزل زينب، يواجه الإقليم بأكمله كارثة بيئية صامتة فالحرب التي استنزفت البشر لم تترك الحجر ولا الشجر وبالرغم من هشاشة النظم البيئية النهرية في النيل الأزرق قبل النزاع نتيجة عوامل التصحر وتآكل الضفاف الطبيعية المستمر نتيجة القطع الجائر للاشجار وتآكل الضفاف خاصة بمخيط سد الروصيرص إلا أن الصراع المسلح عمل كـ "مسرّع لهذا الانهيار. ويتطابق هذا التدهور الميداني مع تحذيرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) الذي أشار إلى أن النزاعات المسلحة تسرع فقدان التنوع الحيوي مما يجعل استعادة النظم البيئية مهمة تستغرق عقوداً.
مع تواري مؤسسات الحوكمة البيئية وغياب الرقابة تعرض الغطاء النباتي لضغوط غير مسبوقة عبر ثلاثة مسارات كارثية:
القطع القهري: تحولت الغابات إلى مصدر وحيد للطاقة (الحطب والفحم) مع صعوبة توفر إمدادات غاز الطهي وغلاء أسعارها.
النزوح والضغط الرعوي: أدى التشريد الجماعي للسكان والماشية إلى رعي عشوائي جائر استنزف قدرة الأرض على التجدد.
تآكل البنية التحتية: إهمال الخطوط الكنتورية والمصائد المائية التقليدية جعل التربة عرضة للانجراف مع كل فيضان.
وفي هذا السياق يقول الرشيد عبد المجيد رئيس الجمعية السودانية لحماية البيئة بالنيل الأزرق: "قبل الحرب كانت هناك جهود رسمية رغم محدوديتها لحماية الغابات لكن الصراع خلق فراغاً إدارياً أتاح استغلال الموارد بلا ضوابط، مما أثر بشكل مباشر على توازن المياه والتربة." وتتجلى مأساة هذا الفراغ في مناطق مثل "العزارة" شرق الروصيرص؛ حيث تسبب قطع غابة "النور" في تقلص المساحات الزراعية للأهالي بنسبة 40%، محولاً الأرض المنتجة إلى مساحات قاحلة بحسب الرشيد.
الذاكرة في موعد مع تحديات الحاضر
أمام قسوة الواقع لم ينتظر المزارعون حلولاً من الخارج بل استدعوا معارفهم التقليدية المتوارثة كخط دفاع أخير تعتمد هذه الممارسات المحلية على أدوات أثبتت فعاليتها بدءاً من الزراعة الموسمية المرنة التي تتحسس نبض الأمطار وصولاً إلى تقنيات حصاد المياه التقليدية "التروس" التي توجه المياه إلى جوف الأرض بدلاً من تركها تجرف السطح.
ويتجلى هذا الوعي البيئي الفطري في تجربة زينب مع النحل فبعد أن كانت تحاول طرده أدركت أنه شريك إنتاج تقول زينب: "فهمنا أن وجود النحل يعني تلقيحاً أفضل لثمارنا، فتركناه يشاركنا المكان وزادت بركة ثمار أشجارنا".هذا التناغم يثبت أن المعرفة المحلية قادرة على التطور والاستجابة للتحديات المستجدة.

ثمار الليمون الطازجة من غصن الشجرة إلى الصحن والاستهلاك المنزلي في بستان زينب - المصدر: تصوير زينب
ولم يكتفِ السكان بالبذور بل أعادوا تدوير مخلفات المطبخ وروث الماشية لإنتاج سماد عضوي (كمبوست) محلي يُوزع على الشتلات والأشجار كما فعلت زينب وسامي متجاوزين أزمة انقطاع الأسمدة الكيميائية المستوردة في دورة زراعية مغلقة تعيد للتربة حيويتها دون تكلفة مادية.
النظام البيئي المصغر كخيار استراتيجي
لم تتوقف تجربة زينب عند عتبة بيتها بل تحولت إلى نموذج ملهم جيرانها وسرعان ما بدأ السكان يتبادلون خبراتهم حول الزراعة المنزلية، مما خلق شبكة صغيرة للصمود المجتمعي في حي السوق الشعبي. قرر سامي العاقب أحد سكان الحي بعد رؤية "واحة زينب" أن يبني نظامه الغذائي الخاص؛ فزرع تشكيلة متنوعة تشمل الليمون المانجو الجوافة الرمان والموز وأرفقها بقفص لتربية الحمام والدجاج فضلاً عن تجربة شتلات استوائية ونادرة كالـ "باباي" والـ "هبهان" هذا النظام البيئي المصغر هو بمثابة شبه استقلال عن الكثير من الاحتياجات الأساسية مثل الفاكهة من أسواق أرهقها الغلاء وعدم اليقين وبناء حقيقي للأمن الغذائي داخل أسوار المنزل.

لقطة واسعة تظهر تماسك وتكامل النظام البيئي في فناء سامي؛ أشجار رمان وليمون ودجاج تحت ظلال الأشجار- المصدر: تصوير سامي العاقب
ويتماشى هذا التوجه مع تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) التي تشير إلى أن تعطل حركة التجارة الداخلية في السودان أدى إلى عجز حاد في المدخلات الزراعية، مما جعل المبادرات المنزلية آلية دفاعية أساسية لمواجهة الفجوة الغذائية. بالنسبة لسامي، توفر حديقة المنزل اليوم ما يعادل 40% من احتياجات الأسرة الغذائية الأساسية بحسب سامي.

تنوع إنتاجي متميز في حديقة سامي العاقب يوضح شجر الموز والليمون والباباي وشجيرات الهبهان الصغيرة - المصدر: تصوير سامي العاقب 2026
وفي ظل تضخم جامح انعكس على الأسواق بقفزات فلكية في أسعار الخضروات والفاكهة الأساسية والتي زادت بمقدار ثلاثة أضعاف خلال السنوات الثلاث الأخيرة بحسب إفادات السكان وزينب تحولت هذه الثمار من رفاهية إلى عملة صعبة فما تنتجه شجرة ليمون واحدة في فناء زينب يعادل شراء سلة خضروات أسبوعية كانت ستكلف الأسرة نصف دخلها المحدود، مما يجعل الحديقة وكأنها "بنك غذائي" لا يتأثر بانهيار العملة خاصة بعد أن وصل سعر صرف الدولار الأمريكي حاجز الـ 5000 جنيه سوداني تقريباً في السوق الموازي خلال يونيو 2026.
ومن هنا، بات الجيران يتبادلون الفائض من المانجو مقابل الليمون مما خلق شبكة تضامن اجتماعي تبدو كأنها "دبلوماسية خضراء" غير رسمية ساعدت على ترميم التمزق الذي أحدثته الحرب في النسيج المجتمعي للمدينة.
من بستان المنزل إلى تشجير المدينة: الجسر نحو الروصيرص
هذا الخندق الأخضر وهو التعبير الذي يصف جبهة الصمود ومقاومة غياب الدولة بالخضرة والتشجير لم يتوقف خلف أسوار بساتين المنازل الفردية في الدمازين بل تمدد كجبهة دفاع علنية لتخترق شوارع مدينة الروصيرص المجاورة على بعد 16 كيلومتراً. من الدمازين وعلى غرار تلك الجهود الفردية داخل البيوت، اتسعت المبادرة هناك لتصبح حراكاً جماعياً يستهدف تشجير الطرقات الرئيسية بأشجار المانجو.

منظر خارج منزل زينب يظهر الطريق الممتد والأشجار المصطفة على جانبيه كدلالة على فكرة امتداد التشجير للطرقات - المصدر: تصوير زينب 2026
ومع ذلك واجه هذا الخط الأخضر المشترك تهديداً لوجستياً يمس شريان بقائه واستمراريته؛ إذ يقول : إيهاب سيسيبو أحد أعضاء المبادرة "إن ضعف التنسيق بين الجهات المعنية مثل إدارات الكهرباء والمياه والجهات النظامية إضافة إلى الحاجة لإقناع المواطنين بجدوى المبادرة جعل الإنجاز بطيئاً" لا سيما مع تأثير الوضع الأمني ونقص الموارد لقد توقف العمل مؤقتاً بسبب نقص الأقفاص والشتول وتدخل بعض المواطنين نتيجة فهم خاطئ لأهداف المشروع.
إن أي توقف طويل يعرض العديد من الأشجار للفقدان مما يزيد الضغط على البيئة المحلية ويرفع درجات الحرارة نتيجة التعرية وقطع أشجار النيم المنتشرة على الطرقات وهو ما يؤكد أن نجاح المبادرات البيئية يعتمد بالأساس على تضافر جهود المجتمع بأكمله وليس على العمل الميداني الفردي فقط.
الزراعة على الحافة: هاشم يعاتب النيل
على بعد 18 كيلومتراً من خزان الروصيرص، تأخذ المعركة شكلاً آخر في مزرعة هاشم محمد؛ هناك يواجه هاشم تقلص أرضه بسبب تغير مجرى النهر والتعرية الهيدروليكية الناتجة عن تعلية سد الروصيرص كانت فيضانات خريف 2025 قاسية للغاية؛ فبدلاً من جلب "الطمي" الخصب تسببت المياه المحتجزة خلف السد في إحداث تآكل حاد للضفاف وتغيير في طبيعة تدفق المياه، لتجرف الأرض وتقتلع الأشجار بعنف، وهي ظاهرة موثقة علمياً في دراسات تأثير النظم البيئية النهرية والتغيرات الهيدروليكية للمجاري المائية.

أشجار الموز في مزرعة هاشم وقد غمرتها المياه تماماً عقب فيضان 2025 القاسي وزيادة منسوب المياه المحتجزة - المصدر: تصوير هاشم
اليوم ومع أن الخريف بات قاب قوسين أو أدنى يحاول هاشم استعادة أمتار من أرضه التي ابتلعها النهر في معركة صامتة ضد التعرية لا تقل ضراوة عن معارك الميدان، خاصة في ظل انقطاع طرق التصدير وتوقف تجارة الموز التي كانت تصل يوماً إلى المملكة العربية السعودية. يشير هاشم بيده إلى نقطة تقع الآن لصيقة بمجري النيل الأزرق ويقول بغصة:
"هناك كانت تقع حدود مزرعتي قبل سنوات، واليوم ابتلع النهر أشجار الموز وجرف الطمي الخصب، تاركاً خلفه أخاديد قاحلة".
إن تداخل ظروف الحرب مع غياب عمليات "الترس والمكافحة" الحكومية لتعرية الضفاف جعل النهر يزحف سنوياً بمعدل أمتار داخل الأراضي الزراعية هذا التآكل مضافاً إليه غياب الآليات التي كانت تقوم بتنظيف القنوات جعل المزارع في مواجهة منفردة مع الطبيعة الغاضبة مما حول الاستثمار في الأشجار الدائمة مثل الموز إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. ما يواجهه هاشم هو ما يصفه معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) بـ "الهشاشة البيئية المزدوجة" حيث يغذي النزاع المسلح والتغير البيئي أحدهما الآخر.
الحياة تضرب جذورها بعمق
يقدر المهندس الزراعي معاوية إبراهيم أن المناطق التي شهدت مبادرات زراعية مجتمعية أظهرت تعافياً جزئياً من انجراف الغطاء النباتي بنسبة تصل إلى 20%. وهذا الرقم، رغم تواضعه، يحمل دلالة كبرى؛ فحماية البيئة في النيل الأزرق باتت فعل مقاومة هادئة وضرورة حتمية للبقاء.
إن نجاح السكان في تحويل أفنية المنازل إلى وحدات إنتاجية مستقلة في أوقات الأزمات يمثل درساً بليغاً للمؤسسات الدولية بضرورة الانتقال من "منطق الإغاثة" التقليدي إلى "منطق السيادة الغذائية" عبر توطين المدخلات ودعم المعرفة المحلية.
إن تجربة "الخندق الأخضر" تثبت أن الصمود البيئي يمكن أن يكون أداة حاسمة للبقاء وأن إرادة الإنسان حين تتحد مع الطبيعة تصنع الأمل، والبذور التي تُغرس في عز الحرب بوعي أصحابها هي وحدها التي ستثمر كرامة وسلاماً حين تصمت المدافع، مؤكدة أن الاستثمار في الإنسان والأرض هو الضمانة الوحيدة لتقليل تكلفة التعافي المستقبلية وأن شتلة مانجو واحدة تُغرس في فناء منزل بالدمازين قد تكون أبقى وأقوى من الوعود المعلقة.