أنفق الشعب السوداني قرابة العامين في محاربة حكومة فاسدة وفي إعادة رسم مستقبل جديد للبلاد. بعد أقل من عام على العصيان المدني و الثورة الباسلة التي أسقطت دكتاتورية حكمت 30 عامًا؛ حصل السودان أخيرًا على حكومة مدنية، وبدأت فترة انتقالية مدتها 3 سنوات في سبتمبر 2020. كان لابد أن يتبع بعد ذلك فترة إعادة تأهيل لهذه الأمة المنهكة ولكنها لم تستمر طويلاً، فقد واجه السودان تهديدا عالميا جديدا. لقد قام فيروس كوفيد-19 باعاقة وتأخير الوضع الصحي والاجتماعي والاقتصادي الذي كان السودان يحاول تنميته. تبع بعد ذلك على الفور تهديد جديد، حيث بدأ نهر النيل يفيض في ولايات رئيسية في البلاد، مما أدى إلى سيول وكوارث وخيمة. لقد بلغ النيل أعلى مستوى له منذ 100 عام منذ بداية سبتمبر الجاري، حيث تم قياسه على 17.62 متراً، أي أعلى بنصف متر من الرقم الذي حققه عام 1948 والذي اعتبر صادمًا آنذاك. فقد فقدت أرواح وترك الناس منازلهم للنزوح الى أراضٍ أكثر أمنًا.
ماذا حدث في المسيد ؟
قررت زينب محمد، إحدى ضحايا الفيضانات، البقاء في قريتها التي تسمى بالمسيد الواقعة بولاية الجزيرة، فيما قرر معظم سكان قريتها المغادرة. وقد أطلعت أندريا على ما حدث عندما اجتاحت الفيضانات قريتهم.
هذه هي قصتها بكلماتها و هذه صورها من هاتفها:
مع بداية شهر أغسطس، وصل نهر النيل الأزرق- الذي يمر عبر قرية المسيد- الارتفاع الكافي ليعلن بداية فصل الخريف. كنا نتوقع أن يصل النهر إلى مستوى معين في هذا الموسم قبل أن نبدأ ببناء المتاريس، وهذا هو الإجراء الاحترازي المعتاد فعله سنوياً. لم نشعر بالخطر المحدق آنذاك، لكن منسوب المياه استمر بالارتفاع بصورة يومية. لم يكن في الحسبان أن تكتسح المياه قريتنا، وأن تم حدوث ذلك، فكنا نعتقد أن حجز المياه سيكون أمراً من الممكن التحكم فيه.
كان المد النيلي يزحف ببطء إلى القرية حتى اقتحم منزل عمي، وكان من أوائل المنازل التي غمرتها مياه فيضان النهر لوجوده على أطراف القرية. شعرنا ابان ذلك بالقلق وبدأ الحي بأكمله ببناء متاريس أعلى حتى أصبحت الأمور تحت السيطرة.
"شعرت أن أمرا سيئًا على وشك الحدوث وكنت أشعر بالخوف عندما أرى السحب السوداء. فهكذا كنا نعلم أنها على وشك أن تمطر، و أن الأمور ستزداد سوءً ".
في ليلة الثالث من أغسطس، كسرت المياه الحواجز مرة أخرى. كان بإمكاني سماع الرجال يصرخون ويحذرون الناس من المياه المتجهة نحو القرية. كان الوقت منتصف الليل، هرع كلا من والدتي وجدي إلى الخارج للتحقق مما يجري. فعجلنا بإغلاق الأبواب والنوافذ وسد كل المجاري الهوائية التي قد تسمح بمرور المياه إلى للداخل. لكن بعد مرور 20 دقيقة، وبعد محاولات غير مجدية، غمرت المياه منزلي بالكامل.
"عندما كنت أحدق في إنعكاس القمر على المياه المترعة في فناء منزلي، قلت لنفسي: هذا ليس حقيقيًا. هذا كابوس."
في تلك الليلة، سمعت الناس يصرخون ويطلبون المساعدة. كان بعضهم مصاباً بجروح خطيرة، فيما حاول البعض الآخر إنقاذ ما تبقى من ملابس، أسرّة، أدوات المنزل، وكل ما يملكون. انهمرت المياه بشدّة الى منزلنا، حاولنا إيقافها بجوالات الرمل، لكنها لم تنجح في حمايتنا. خلال 30 دقيقة فقط من بدء الفيضان، انهارت منازل أخرى في القرية واستمرت على هذا النحو طوال الليل. بحلول الصباح، كان الجانب الشمالي الغربي من المسيد غارقاً بالكامل. مع مرور الأيام، لم يحل أي أمل لإنخفاض منسوب المياه او توقف الفيضان، لذا قرر أهالي القرية حزم ما تبقى من مقتنياتهم وإخلاء المكان.
"استخدمنا مضخات الشفط لضخ المياه خارج حيّنا، حيث علق بعض الناس فوق رؤوس منازلهم ولم يتمكنوا من التحرك لأي مكان، بل في الواقع لم يكونوا قادرين على السباحة لأي مكان".
تطوع بعض الرجال للبقاء بالقرب من النيل لتتبع ارتفاع المنسوب من أجل إبلاغ رؤساء القرية بالتحديثات والتخطيط لما يجب فعله بعد ذلك. ولكن مع قلة عدد الأشخاص المقدمين على المساعدة، بموجب استسلام البعض وانتقالهم إلى قرى أخرى، إضافة للتيارات التي لا يمكن السيطرة عليها والتي كلما حاولنا بناء كتل أعلى، تعدتها السيول، الأمر الذي جعل الجميع يائسين وعاجزين.
إ نه بالفعل موسم الخريف من المتوقع أن تمطر بإستمرار، وفي حال حدوث ذلك، سنغرق كلياً. بالأمس، كانت لدينا أمطار غزيرة. مما أفضى لارتفاع الفيضان مرة أخرى. هممنا بالاندفاع إلى المنزل والخروج منه في محاولة لإستخراج أكبر قدر ممكن من الأثاث والممتلكات الشخصية. في النهاية استعدنا القليل من الأشياء التي بامكانها أن تجعلنا نواصل السير الى أن يشاء الله. نحن لا نحصل على النوم الكافي؛ لأننا نعيد التحقق من مدى ارتفاع الفيضان على رأس كل ساعة ، ولا نكهن ما الذي سيحدث بعد ذلك. هذا وضع مخيف جداً.
فكرت عائلتي في مغادرة القرية لكننا قررنا البقاء إبان سماعنا -أخيراً -أن الوكالات الإنسانية و الطوعية سوف تأتي لإنقاذنا. فقد جلبوا المزيد من المتاريس وشاحنات محملة بمزيد من أكياس الرمل والحطام الصخري لمساعدتنا على ردع التيار. وجاءت المزيد من الشاحنات محملة بالطعام والماء النظيف. بعض المتطوعين من المنظمات أطباء، لذا تمكنوا من علاج المصابين لدينا في القرية. كما كان لديهم أيضًا ما يكفي من البطانيات للجميع. تم استرداد إيماننا بإنقاذ قريتنا. رأينا الضوء في نهاية النفق.
تواصلت أندريا مع زينب مرة أخرى ، وسألتها عن أحوالها و مستجدات الفيضان، وأكدت لنا زينب أن الأمور بدأت تعود إلى طبيعتها، وبدأ منسوب المياه في النقصان وتراجع الفيضان منذ ذلك الحين.
كيف يمكنكم المساعدة ؟
السودان بحاجة إلى الدعم أكثر من أي وقت مضى. إذا كنت ترغب في مساعدة ضحايا الفيضانات في المسيد أو في مناطق أخرى في السودان، يمكنك التبرع لنفير التي يشير اسمها تقليدياً إلى "الفزع للمساعدة". نفير هي مبادرة سودانية غير ربحية تعمل على مساعدة المحتاجين وإدارة الأزمات. تساعد هذه المبادرة ضحايا الفيضانات من خلال توفير ملاجئ مؤقتة وتغطية الاحتياجات الغذائية العاجلة، والتعامل مع حالات الطوارئ الطبية الناتجة عن الكوارث.